
الإعلامي الدكتور وجدي صادق
في زمنٍ تهاوت فيه القيم وارتفع فيه منسوب اللامبالاة، يطلّ علينا بعض أهل السلطة والقرار بوجوهٍ لم تتغيّر، وكأنّهم خارج سياق الألم الذي ينهش هذا الوطن.
يهرولون نحو الإنتخابات بلهفة لا تشبه إلا لهفة العطشى إلى كرسيّ يلمع أمام أعينهم، لا لأنّه موقع خدمة، بل لأنّه غنيمة سلطة، وممرّ جديد إلى مزيد من النفوذ والإمتيازات.
يتشدّقون بالشعارات، يرفعون صورهم، يروّجون وعوداً يعرفون قبل غيرهم أنّها حبر على ورق، فيما الناخب بالنسبة إليهم مجرّد رقم ومادة إنتخابية، وصوته سلّمٌ صغير يصعدون فوقه نحو غاياتهم. آخر همّهم المواطن، وآخر حساباتهم أوجاعه.
لا يعنيهم إن عاش الناس في العطش أو العتمة، ما دام مقعدهم محجوزاً على طاولة الحكم، ولو على حساب الوطن كلّه... في الوقت الذي يتصارعون فيه على أصوات الناس، هناك أحياءٌ بكاملها بلا ماء، مناطق يبيت أهلها عطشى، يقتطعون نصف رواتبهم وهي رواتب متهالكة أصلاً.ليملؤوا خزّانات مياه تُشترى بمرارة وقلق.
وبينما يغرق البعض في العطش، تنعم مناطق أخرى بالمياه المنتظمة، وكأنّ العدالة خدمةٌ تُمنح بالواسطة، أو إمتيازٌ يدخل في بازار السياسة والمحسوبيات.
أي وطن هذا الذي يترك ناسه يلهثون خلف قطرة ماء؟
وأي مسؤول ذاك الذي يعدّ الخطابات الإنتخابية أولوية، فيما بيوتاً كاملة تبحث عن أساسيات الحياة؟
أليس من المخزي أن تصبح المياه حقّ الإنسان الأوّل رفاهية لا ينالها إلا من تطرّق باب المسؤول "الصحيح"؟ هؤلاء الذين يرفعون شعار «خدمة الناس» لا يرون الناس إلا موسماً عابراً وحشداً إنتخابياً، وصوتاً يستثمرون فيه ثم ينسونه.
أما همّ المواطن، فمعلّق خارج حساباتهم، مسجونٌ خلف صراعهم على الكراسي. وما لم يدركوه بعد هو أنّ الوطن لا يُبنى بالصور الإنتخابية ولا بالخطابات المعلّبة، بل بتأمين ماءٍ يصل إلى كل بيت، وكهرباء تُنير كل شارع، وخدمات تحترم كرامة الإنسان. لكنهم إختاروا العكس:؛، سلطة بلا مسؤولية، ووعوداً بلا وفاء، وكرسياً بلا حياء.
وإلى أن تأتي لحظة الحساب الحقيقي، سيبقى المواطن يصرخ وحده، وسيبقى الوطن مسرحاً كبيراً لمتسلّقي المناصب، ما لم يدرك الناخب أنّ صوته هو السدّ الوحيد أمام هذا العبث… وأنّ الكرسي الذي يتقاتلون عليه لا قيمة له إن لم يكن خادماً للناس، لا سيّداً عليهم.