
الإعلامي الدكتور وجدي صادق
يأتي الإستحقاق النيابي القادم في لحظة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها الأزمات الإقتصادية والإجتماعية مع فقدان الثقة شبه الكامل بين المواطن والسلطة. هو إستحقاق لا يمكن مقاربته بوصفه حدثاً ديمقراطياً روتينياً، بل كـ مفصل حاسم سيحدد إتجاه البلاد؛ إما إستمرار الدوران في الحلقة نفسها، أو فتح نافذة، ولو ضيقة، نحو مسار مختلف... على مستوى الواقع، لا تزال المنظومة السياسية التقليدية تمسك بمفاتيح اللعبة الأساسية؛ المال الإنتخابي، الزبائنية، العصبيات الطائفية، والخطاب التخويفي.
هذه الأدوات، رغم إهترائها أخلاقياً، ما زالت فعّالة في بيئة مأزومة، حيث يتحول الخوف من المجهول إلى ورقة رابحة، ويصبح "الإستقرار الوهمي" أكثر إغراءً من مغامرة التغيير. في المقابل، تقف قوى التغيير أمام تحدٍ حقيقي. فالمزاج الشعبي الغاضب لم يتحول بعد إلى كتلة إنتخابية متماسكة.
التشتت، غياب الخطاب الموحد، وتضارب الأولويات، كلها عوامل تُضعف القدرة على خرق جدي في بنية المجلس النيابي. فالغضب وحده لا يصنع إنتصاراً إنتخابياً، ما لم يُترجم إلى مشروع واضح، تحالفات ذكية، وخطاب يلامس هموم الناس اليومية لا شعاراتهم المثالية فقط.
الناخب، من جهته، يعيش حالة إزدواجية حادة؛ وعي عميق بحجم الإنهيار ومسؤولية الطبقة الحاكمة عنه، مقابل تعب نفسي ومعيشي يدفعه أحياناً إلى العزوف أو التصويت بدافع الحاجة لا القناعة.
هنا تكمن خطورة الإستحقاق؛ في أن يتحول إلى إعادة إنتاج للأزمة نفسها، عبر مجلس نيابي جديد بالأسماء، قديم بالنهج والسلوك. الأرجح أن نتائج الإنتخابات المقبلة لن تحمل إنقلاباً جذرياً في موازين القوى، لكنها قد ترسم ملامح مرحلة إنتقالية.
خروقات محدودة، تغييرات نسبية، ورسائل سياسية واضحة، من دون أن تصل إلى حد كسر المنظومة بالكامل. وهذا بحد ذاته يعكس حقيقة المشهد؛ التغيير في الأنظمة المتكلسة لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تراكم طويل ومكلف. في الخلاصة، الإستحقاق النيابي القادم ليس معركة أمل مطلق ولا هزيمة محسومة.
هو إمتحان وعي قبل أن يكون سباق أرقام. فإما أن يختار الناخب تثبيت ما يعرف فشله، أو المجازفة المحسوبة نحو مسار مختلف. وبين الخيارين، تُكتب ملامح السنوات القادمة… لا بخطاب السياسيين، بل بصوت المقترعين.