
تشير معطيات إعلامية إسرائيلية إلى أن مساراً تفاوضياً غير معلن آخذ بالتبلور بين سوريا وإسرائيل، يتناول قضايا شديدة الحساسية تتصل بالوجود العسكري الإسرائيلي في الجولان السوري المحتل، وبترتيبات أمنية قد تعيد رسم بعض معالم الاشتباك القائم منذ سنوات.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت أن الاتفاقات قيد البحث تتضمن احتمال انسحاب إسرائيلي من تسعة مواقع عسكرية سورية كانت إسرائيل قد سيطرت عليها في الجولان، في خطوة توصف بأنها لافتة إذا ما قورنت بالمواقف الإسرائيلية التقليدية التي لطالما شددت على تثبيت السيطرة العسكرية في المناطق الاستراتيجية.
وبحسب الصحيفة، لا تقتصر المفاوضات على البعد العسكري فحسب، بل تمتد إلى ملفات سياسية وأمنية واجتماعية معقدة، يأتي في مقدمتها ملف المساعدات الإسرائيلية المقدّمة للطائفة الدرزية في جنوب سوريا ومحيط العاصمة دمشق. وتُعد هذه المسألة من أبرز النقاط الخلافية، إذ يُنظر إليها في دمشق كأداة نفوذ سياسي وأمني، في حين تعتبرها إسرائيل جزءاً من مقاربتها الخاصة بالواقع الميداني في الجنوب السوري.
جبل الشيخ… العقدة الأشد حساسية
ويبرز جبل الشيخ (حرمون) كأحد أكثر الملفات تعقيداً في هذه المحادثات. فالصحيفة الإسرائيلية تشير إلى نقاشات مستمرة حول انسحاب إسرائيلي محتمل من مناطق استراتيجية في الجبل، مقابل ضمانات أمنية تقدمها دمشق، في إطار تفاهمات تهدف إلى تقليص نقاط الاحتكاك المباشر.
ورغم تأكيد القيادة السياسية الإسرائيلية، في أكثر من مناسبة، التزامها بالإبقاء على الجيش الإسرائيلي في قمة جبل الشيخ السوري، إلا أن يديعوت أحرونوت تفيد بأن المؤسسة العسكرية بدأت عملياً في دراسة هذا الملف وصياغة سيناريوهات مختلفة للتعامل معه. ويأتي ذلك في ظل اعتراف صريح داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية بأن جبل الشيخ يشكل نقطة استراتيجية بالغة الأهمية، نظراً لموقعه الجغرافي وقدراته الاستخباراتية والعسكرية.
بين الحسابات الأمنية والواقع السياسي
تعكس هذه التسريبات الإعلامية حجم التباين داخل إسرائيل بين المستوى السياسي والعسكري، كما تكشف عن إدراك متزايد لتعقيدات المرحلة المقبلة، في ظل متغيرات إقليمية ودولية تضغط باتجاه إعادة ترتيب بعض الملفات العالقة.
وفي المقابل، تبدو دمشق متمسكة بالحصول على ضمانات واضحة تتصل بالسيادة والانسحاب من الأراضي المحتلة، مقابل أي التزامات أمنية محتملة، ما يجعل مسار هذه المحادثات محفوفاً بالعقبات، وقابلاً للتعثر في أي لحظة.
خلاصة المشهد
وبينما لا تزال هذه المحادثات تدور بعيداً عن الأطر الرسمية المعلنة، فإن ما كشفته الصحافة الإسرائيلية يسلّط الضوء على حراك سياسي – أمني غير مسبوق منذ سنوات، قد يحمل في طياته تحولات محدودة أو مرحلية في مشهد الصراع السوري – الإسرائيلي، من دون أن يرتقي حتى الآن إلى مستوى تسوية شاملة أو اتفاق نهائي.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه النقاشات ستُترجم إلى خطوات عملية على الأرض، أم ستبقى في إطار جسّ النبض وتبادل الرسائل، في منطقة لا تزال حسابات القوة والأمن فيها تتقدم على أي اعتبارات أخرى.