
ليسوا كما تُصوِّرهم العناوين، ولا كما تُختزلهم الكلمات العابرة. هم وجعٌ يمشي على الأرض، وصبرٌ تعلّم أن يصمت، وكرامةٌ لا تنحني مهما اشتدّت الريح. هم الذين حملوا ما لا يُحتمل، وعاشوا ما لا يُروى، ثم مضوا كأن شيئًا لم يكن.
في الجنوب، لا تُحكى الحياة، بل تُعاش بكل ما فيها من قسوة وثقل. الأرض هناك ليست ترابًا، بل ذاكرة ممتدة من الخسارات والصمود، من الأيادي المتعبة، ومن القلوب التي أرهقها الانتظار ولم تنكسر.
الجنوبيون ليسوا خبرًا يُقرأ، ولا صورةً تُلتقط في لحظة عابرة. هم حكاياتٌ من لحمٍ ودم؛ أمٌّ تُخفي وجعها خلف صبرٍ طويل، أبٌ يثقل كاهله التعب ولا يشتكي، شابٌّ سبق عمره، وطفولةٌ عرفت الخوف قبل الفرح.
هم لا يطلبون تعاطفًا، ولا يبحثون عن تبرير، بل يريدون فقط أن يُفهموا كما هم، دون تشويه، دون أحكام جاهزة، ودون قسوةٍ تأتي من حيث كان يُفترض أن يكون السند.
ما أرادوا المستحيل؛ كانوا يكتفون بأن يقف معهم من يشبههم، وأن لا يُخذلوا من القريب، وأن لا يتحوّل الصوت الذي يشبههم إلى اتهام. لكن الخذلان، حين يأتي من الداخل، يصبح أثقل من كل ما سواه.
هم لا يبررون لعدو، ولا يساومون على أرضٍ أو كرامة، لكنهم يرفضون أن يُدانوا دون أن يُسمعوا، وأن يُحاكموا دون أن تُعرف حكايتهم.
في الجنوب، الصبر ليس خيارًا بل قدر، والقوة ليست ادعاءً بل ضرورة، والأمل ليس رفاهية بل ما تبقّى ليستمروا.
فإن كنت لا تعرف من هم الجنوبيون، اقترب أكثر، أنصت بصدق، وانظر بعينٍ لا تحكم. ستدرك أن خلف كل صمتٍ حكاية، وخلف كل وجهٍ وجعًا عميقًا لا يُقال، وأن الجنوب ليس مكانًا فقط، بل إنسانٌ يقاوم كي يبقى
الزميلة زينات دهيني