
لبنان الذي كان في الأمس مساحة لقاءٍ للحياة، ومنارةً للفكر والانفتاح، يقف اليوم مثقلًا بجراحه، يحمل فوق كتفيه أثقال سنوات من الحروب والانقسامات، لكنه، رغم كل ذلك، لا يزال يحتفظ بإمكانية النهوض، وبحقه في أن يولد من جديد على أسسٍ أكثر عدلًا واستقرارًا.
ليس من السهل الحديث عن لبنان كأزمة عابرة، ولا يمكن اختزال ما يجري فيه اليوم بعنوان سياسي ضيق، لأن ما يعيشه هذا البلد هو نتيجة مسار طويل من الحروب، والانقسامات، والتدخلات، التي دفعت أثمانها أجيال متعاقبة من شعبه.
منذ اندلاع الحرب الأهلية، مرورًا بمحطات الصراع المتعددة، سقط عشرات الآلاف من الضحايا، وتعرّض المجتمع اللبناني لنزيف بشري واقتصادي عميق، فيما ترسّخت انقسامات حادة بين مكوناته، لم تكن يومًا تعبيرًا حقيقيًا عن طبيعة هذا الشعب، بل نتيجة سياسات غذّت الطائفية على حساب الهوية الوطنية.
وكلنا نعرف كيف تبدأ الحروب، وكيف تُشعل شرارتها الأولى، لكن التاريخ الإنساني لم يقدّم يومًا جوابًا حاسمًا عن كيفية انتهائها، ولا عن معناها الحقيقي عند نهايتها. فمن الذي يربح في وطنٍ خسر أبناءه؟ ومن الذي ينتصر في شعبٍ أنهكته الانقسامات؟ إن الحروب، مهما تعددت رواياتها، تترك خلفها حقيقة واحدة: خسارة تتقاسمها الأطراف جميعًا، وندوبًا لا تمحوها أي تسويات.
لقد تحوّل الانتماء الطائفي، مع مرور الوقت، من حالة تنوّع إلى أداة انقسام، ومن عنصر غنى إلى وسيلة صراع، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على بنية الدولة، وأدى إلى إضعاف مؤسساتها، وفتح الباب أمام صراعات داخلية وتنافسات سياسية تجاوزت في كثير من الأحيان مصلحة المواطن.
وفي سياق هذه التعقيدات، لا يمكن تجاهل حقيقة أن معظم القوى السياسية في لبنان، وبدرجات متفاوتة، ارتبطت في مراحل مختلفة بدعم أو تأثيرات خارجية، فرضتها ظروف الصراع أو حسابات التوازن. إلا أن استمرار هذا الواقع لم يعد مبررًا، بل بات أحد أبرز أسباب تعميق الانقسام الداخلي وإضعاف القرار الوطني المستقل.
إن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة الاعتبار للهوية اللبنانية الجامعة، بحيث يصبح الانتماء الوطني هو الأساس، لا الاستثناء. فحين يكون الجميع تحت سقف لبنان أولًا، تنتفي لغة الاتهام المتبادل، وتسقط معايير التخوين، ويصبح الاحتكام الوحيد إلى مصلحة الدولة والشعب.
كما أن اللجوء إلى الخارج، تحت أي ذريعة كانت، لم يحقق في يوم من الأيام استقرارًا دائمًا، بل أدى في كثير من الأحيان إلى تكريس الانقسامات، وتحويل الساحة الداخلية إلى مساحة تصفية حسابات، يدفع ثمنها المواطن اللبناني وحده.
وفي خضم ذلك، برزت إشكالية السلاح خارج إطار الدولة كواحدة من أعقد القضايا التي تواجه لبنان اليوم، حيث تتباين الآراء حولها بين من يراها ضرورة في سياق إقليمي معقّد، ومن يعتبرها عائقًا أمام قيام دولة مكتملة السيادة.
وما يثير القلق، أن بعض الطروحات التي تُرفع تحت عنوان معالجة هذه الإشكالية، تنزلق أحيانًا نحو أساليب تصعيدية، أو مقاربات قد تؤدي إلى إنتاج مزيد من التوتر، بدلًا من احتوائه. فمواجهة أي إشكالية عبر منطق المواجهة المباشرة أو فرض الوقائع بالقوة، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات، وتوسيع دائرة الاحتقان.
إن الدعوة إلى الاستقرار لا يمكن أن تقوم على منطق التصعيد، كما أن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق عبر وسائل تعيد إنتاج العنف أو تبرره بأي شكل من الأشكال. فالعنف، مهما كانت خلفياته، لا يصنع دولة، بل يهدد ما تبقى منها.
لقد دفع اللبنانيون ثمنًا باهظًا نتيجة الصراعات السياسية والانقسامات الداخلية، ولا يزالون حتى اليوم يواجهون تحديات معيشية قاسية، في ظل تراجع دور بعض مؤسسات الدولة، واستمرار التجاذبات التي تعرقل أي مسار إصلاحي حقيقي.
إن ما يحتاجه لبنان اليوم، ليس مزيدًا من الاصطفافات، بل مقاربة وطنية شاملة، تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، وتفتح المجال أمام حوار مسؤول، يعالج القضايا الخلافية بروح واقعية، بعيدًا عن لغة الاتهام والتخوين.
وعليه، فإننا نؤكد على ما يلي:
- ضرورة إطلاق حوار وطني جاد، يعالج القضايا الحساسة ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.
- تعزيز استقلال القرار الوطني، والحد من أي تأثيرات خارجية على الحياة السياسية.
- رفض أي مقاربات تقوم على التصعيد أو فرض الوقائع بالقوة.
- العمل على تجاوز الانقسامات الطائفية، وترسيخ مفهوم المواطنة.
- حماية المدنيين، وصون كرامتهم، ورفض أي ممارسات تعرّضهم للخطر.
- دعم مسار إصلاحي حقيقي يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس سليمة.
إن لبنان لا يحتاج إلى منتصر جديد، بل إلى نهاية حقيقية للخسارات المتكررة.