
يتقدّم ملف الانتخابات النيابية في لبنان إلى صدارة المشهد السياسي، وسط انقسام حاد بين خيارين: احترام الموعد الدستوري للاستحقاق، أو الانزلاق إلى تمديد جديد لولاية المجلس النيابي. إلا أنّ المعطيات الدستورية والسياسية المتقاطعة ترجّح كفّة الإجراء في موعده، في ظل موقف حاسم لرئيس الجمهورية جوزاف عون الرافض لأي تمديد، وتمسّكه باستخدام كامل صلاحياته الدستورية للحؤول دون ضرب المهل.
أدوات دستورية حاسمة
في القراءة الدستورية، يمتلك رئيس الجمهورية أكثر من أداة لتعطيل أي قانون يهدف إلى التمديد. فالمادة 57 من الدستور تخوّله ردّ القانون إلى مجلس النواب ضمن مهلة شهر، ما يفرض إعادة مناقشته وإقراره مجددًا بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء. خطوة كهذه لا تقتصر على بعدها الإجرائي، بل تعيد خلط الأوراق السياسية وترفع كلفة تمرير أي تمديد.
ولا تقف الصلاحيات عند هذا الحد. إذ يمكن للرئيس الطعن بقانون التمديد أمام المجلس الدستوري، ما يفتح الباب أمام إبطاله في حال تعارضه مع مبدأ دورية الانتخابات أو مع جوهر النظام البرلماني. كما تمنحه المادة 59 حق تأجيل انعقاد مجلس النواب لمدة شهر واحد، وهو إجراء استثنائي يمكن استخدامه لمنع إقرار قانون تمديد في لحظة سياسية ضاغطة. مجمل هذه الصلاحيات يجعل أي مسار نحو التمديد محفوفًا بعقبات دستورية جدية.
بين التمديد السياسي والتأجيل التقني
في المقابل، يميّز الموقف الرئاسي بين التمديد السياسي المرفوض بالكامل، وبين احتمال تأجيل تقني محدود إذا اقتضت ضرورات إجرائية أو لوجستية ذلك، شرط أن يبقى ضمن هامش ضيق لا يتجاوز السقف الزمني المحدد قانونًا. أما أي طرح لتمديد يمتد سنة أو أكثر، فيُعدّ مساسًا مباشرًا بمبدأ تداول السلطة وضربًا لانتظام الحياة الدستورية.
أبعاد تتجاوز الإجراء
سياسيًا، يتجاوز رفض التمديد البعد الإجرائي إلى بعد استراتيجي يتصل بطبيعة المرحلة. فالتمديد، إذا حصل، سيجعل المجلس الحالي هو الجهة التي تنتخب رئيس الجمهورية المقبل، ما يفتح البلاد مبكرًا على بازار رئاسي طويل. عندها تتحوّل أي انتخابات لاحقة إلى استحقاق ذي عنوان رئاسي صرف، تطغى فيه الاصطفافات على البرامج الإصلاحية والاقتصادية، وتُستنزف الأسماء في سباق مبكر بدل التركيز على معالجة الأزمات البنيوية.
من هذا المنطلق، يُنظر إلى احترام المواعيد الدستورية بوصفه ركيزة لإعادة انتظام المؤسسات واستعادة الثقة الداخلية والخارجية. فأي سابقة جديدة في التمديد ستكرّس منطق تكييف النصوص مع التوازنات السياسية، لا العكس، ما يضعف مسار التعافي المؤسسي.
المعادلة الراجحة
وفق المعطيات الراهنة، تتجه الانتخابات النيابية إلى الإجراء في موعدها، تحت سقف رفض رئاسي صارم لأي تمديد سياسي. أما الهامش المتاح، فمحصور بإجراءات تقنية محدودة زمنياً إذا استدعت الضرورات ذلك. وبين من يروّج لسيناريوات التأجيل الطويل ومن يتمسّك بحرفية الدستور، تبدو الكلمة الفصل لصلاحيات الرئاسة الأولى، في معركة عنوانها حماية الاستحقاق ومنع تحويله إلى منصة اشتباك رئاسي مبكر.
الأربعاء، ٤ آذار ٢٠٢٦