
ليست الدولة التي نعيش في ظلّها دولةً بالمعنى الكامل للكلمة، بل كياناً تعرّى تباعاً من كلّ ما يُفترض أن يمنحه الشرعية والهيبة. تعرّت من مسؤولياتها تجاه مواطنيها، كما يتعرّى العاجز من حججه، وتخلّت عن واجباتها كما يتخلّى الجبان عن معركةٍ يدرك أنّه خاسر فيها أخلاقياً قبل أن تكون سياسية.
تعرّت الدولة من دورها الطبيعي كحاميةٍ للناس، لا كمتربّصة بهم. فبدل أن تكون مظلّةٍ أمان، تحوّلت إلى يدٍ ثقيلة تمتدّ إلى الجيوب، وإلى سلطة تجيد العدّ حين يكون الحديث عن الضرائب، وتصاب بالعمى متى ذُكر الحقّ أو طُولِب بالعدل. حفظُ الحقوق لم يعد من قاموسها، أمّا نهب الأموال فقد صار سياسةً مقنّعة، تُدار بإسم القوانين والتشريعات، وتُنفّذ بإسم الضرورات. في «دولة التعرّي»، الأمن ليس حقّاً بل مِنّة، والإستقرار ليس واجباً بل شعاراً يُرفع في الخطب ويُسحَب من الشوارع.
المواطن فيها مشروع ضحيةٍ دائمة؛ يُسرق رزقه بإسم الإصلاح، ويُصادَر صوته بإسم الإستقرار، ويُختَطف مستقبله بإسم مرحلةٍ حسّاسة لا تنتهي. كلّ شيءٍ مؤجَّل إلّا الإنهيار، وكلّ شيءٍ قابلٌ للتفاوض إلّا كرامة الإنسان، فهي أوّل ما يُرمى على طاولة التسويات.
الأخطر من ذلك أنّ هذا التعرّي لم يعد خجلاً، بل بات وقاحةً معلنة. لم تعد السلطة تحاول التستّر على عوراتها، بل صارت تتباهى بها؛ فشلٌ يُسوَّق كإنجاز، وعجزٌ يُقدَّم كحكمة، وفسادٌ يُبرَّر كضرورةٍ سياسية. تُدار البلاد بعقلية الغنيمة لا الدولة، وبمنطق النفوذ لا القانون، حيث تُفصَّل القرارات على قياس الأقوياء وأصحاب المصالح، ويُترك الضعفاء عراةً في مواجهة الأزمات. وفي هذا المشهد، يفقد المواطن إيمانه لا بالدولة فحسب، بل بفكرة العدالة نفسها.
حين تتعرّى الدولة من أخلاقها، يصبح الظلم نظاماً، ويغدو الصمت شريكاً، ويُدفَع الناس قسراً إمّا إلى اليأس أو إلى الغضب. فالدولة التي لا تحمي شعبها، ولا تحفظ أمنه، ولا تصون أمواله، ليست دولةً فاشلة فحسب، بل خطرٌ قائم بذاته... «دولة التعرّي» ليست توصيفاً لغوياً مبالغاً فيه، بل حقيقةً يومية نعيشها. هي دولة كشفت عورتها السياسية والأخلاقية، وباتت مُطالَبة، إن أرادت البقاء، بأن تستر نفسها أولاً بالمسؤولية، وبالقانون، وبالعدالة. أمّا إذا استمرّ هذا التعرّي، فلن يبقى ما يُنهَب، ولا ما يُحكَم، ولا ما يُسمّى وطناً.▪︎