
الإعلامي الدكتور وجدي صادق
... في هذا الزمن المتخم بالضجيج، الخاوي من المعنى، تتقدّم شراهة المناصب والمراكز على كل قيمة، وتُقدَّم الكراسي قرابينَ لطموحات ضيقة لا ترى في الوطن إلا سلّماً للصعود. يركضون خلف المناصب ركض العطشىٰ إلى سراب، يتدافعون عليها بأكتاف الكلام المعسول، وأقدام المصالح، وألسنة تجيد التبرير أكثر مما تجيد الصدق.
العجيب المُبكي أنّ كثيراً من هؤلاء من صنف الرويّبضة؛ أولئك الذين يتصدرون المشهد بلا كفاءة، ويتحدثون في شأن العامة بلا حكمة، ويُزاحمون أهل الخبرة وهم عراة من الفكرة والرؤية.
والأدهى من ذلك أنّهم لا يأتون فرادى، بل تُفتح لهم الأبواب، وتُمهَّد لهم الطرق، ويُسندون بظهور رموز سياسية نافذة، تعرف كل شيء... وتغضّ الطرف عن كل شيء. آه يا بلد، كم أتعبتك المجاملات، وكم أرهقك تقديم الولاء على الأمانة! في زمن كان المنصب فيه تكليفاً ثقيلاً، صار اليوم غنيمةً سريعة. وفي وقتٍ كان السؤال: ماذا أُقدّم للوطن؟ أصبح: ماذا سيقدّم لي المنصب؟ فاختلطت المعايير، وتبدّلت القيم، وتقدّم الصخب على العمل، والواجهة على الجوهر.
صار الصوت الأعلى هو الأحق، لا الأصدق، وصارت القربى طريقاً، لا الكفاءة... «يا للعار على زمنٍ قلّت رجاله وكثرت فيه الرويّبضة!» زمن يُقصى فيه الشرفاء لأنهم لا يُجيدون التملّق، ويُقدَّم فيه المتسلّقون لأنهم يحسنون الإنحناء.
زمن تُدار فيه البلاد بمنطق الصفقات، لا بمنطق المسؤولية، وبحسابات الربح العاجل، لا بموازين المصلحة العامة. ومع ذلك، يبقى في القلب بقية أمل؛ أمل بأن ينهض الوعي، وأن يستعيد المنصب هيبته كأمانة لا كغنيمة، وأن يُعاد الإعتبار للكفاءة والصدق والعمل الصامت.
فالأوطان لا تُبنى بالضجيج، ولا تُدار بالرويّبضة، بل تُحفظ برجال إذا وُضعوا في المسؤولية خافوا، وإذا أُعطوا السلطة تواضعوا، وإذا خُيّروا بين الكرسي والوطن إختاروا الوطن. •«آه يا بلد»… ما بين شراهة المناصب وحلم الخلاص، مسافة إسمها الضمير. فهل من ضميرٍ .