
الإعلامي الدكتور وجدي صادق
ليس ما جرى مع رئيس فنزويلا حادثةً عابرةً في سجلّ العلاقات الدولية، ولا هو تفصيل أمني يمكن طيّه تحت عناوين البروتوكول أو "سوء الفهم". إنّه فعل مقصود، برسالة مدروسة، وبتوقيت محسوب، وبعنوان واضح؛ من يعترض، يُستدعى إلى العِبرة. في السياسة، كثيراً ما تُقال الرسائل لمن ليسوا المعنيّين مباشرةً بها. تُوجَّه إلى طرفٍ ما، بينما المقصود الحقيقي أطرافٌ أخرى تراقب وتفهم.
تماماً كما في المثل الشعبي؛ "حكي لكِ يا كنّة لتسمع الجارة"... خطف رئيس فنزويلا، أو إستهدافه خارج الأطر السياديّة، ليس رسالةً لفنزويلا وحدها، بل إنذارٌ مفتوح لكل دولة أو قيادة أو محور يخرج عن السقف الأمريكي المرسوم. الولايات المتحدة، في هذه المرحلة الدقيقة من التحوّلات الدولية، تعود إلى لغة القوّة الفجّة بعد أن أهتزّت هيبتها السياسية والعسكرية. عالمٌ يتغيّر، موازين قوى لم تعد أحاديّة، ومحاور جديدة تفرض نفسها إقتصادياً وعسكرياً.
في هذا السياق، يصبح الإستعراض ضرورة أمريكية؛ إعادة ضبط الإيقاع، وترميم الردع، ولو على حساب القانون الدولي وسيادة الدول. غير أنّ الرسالة الأعمق لا تتوقف عند حدود أميركا اللاتينية. المقصود الحقيقي هو كل من يعترض أو يمانع أو يفاوض من موقع الندّية، وخصوصاً في منطقتنا. المنطقة المتّجهة إلى تغييرات جذرية، تُراد لها أن تكون على قياس المصالح (الأمريكية – الصهيونية)، وبـِ "زيّ" دبلوماسي ناعم أحياناً، وأمنيّ خشن حيناً آخر... الكيان الإسرائيلي حاضرٌ في خلفيّة المشهد، ليس فقط كـ حليف، بل كـ محرّك أساسي في صياغة الأولويات.
أيّ إعتراض على مشروعه، أيّ محاولة لكسر تفوّقه أو تعطيل تمدّده، تُقابل برسائل ردع غير مباشرة، تبدأ من فنزويلا ولا تنتهي عند حدود الشرق الأوسط. الخطير في المشهد ليس فقط الفعل، بل التطبيع معه.
حين يصبح خطف الرؤساء أو تهديدهم أداة سياسية، نكون أمام مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، تُدار بالترهيب لا بالشراكات، وبالرسائل الأمنية لا بالقانون... خلاصة القول: ما حدث ليس رسالة لـ "فنزويلا" فقط، بل كلام موجّه للعالم بأكمله. ومن لا يسمع اليوم، قد يُستدعى غداً ليكون هو الرسالة.