
دخل المشهد السوري مرحلة سياسية مختلفة مع إلغاء «قانون قيصر»، في ظل واقع لم يعد فيه النظام السابق حاضرًا، بل سلطة قائمة تتصدرها شخصية أحمد الشرع (الجولاني)، وتتعامل معها واشنطن باعتبارها الجهة الفعلية القادرة على ضبط الأرض وإدارة المرحلة. هذا التطور لا يُقرأ كتحوّل اقتصادي فحسب، بل كمؤشر إلى انتقال أميركي من سياسة العزل إلى سياسة الاحتواء المشروط.
وفق معطيات سياسية متقاطعة، فإن رفع «قيصر» جاء في سياق تفاهمات غير معلنة، تهدف إلى إعادة ترتيب التوازنات في سوريا بما يراعي الأولويات الأميركية، وفي مقدمها الاستقرار الأمني وأمن الحدود الجنوبية. وتؤكد هذه المعطيات أن واشنطن لم تتخلَّ عن أدوات الضغط، بل أعادت صياغتها بأسلوب أكثر مرونة، يقوم على فتح الأبواب تدريجيًا مقابل التزامات واضحة من السلطة الحالية.
وتبرز هضبة الجولان في صلب هذا المسار، بوصفها إحدى أبرز أوراق الاختبار. فالإدارة الأميركية، التي كرّست سابقًا الاعتراف بسيادة إسرائيل عليها، تسعى اليوم إلى تثبيت هذا الواقع سياسيًا، مستفيدة من حاجة السلطة الجديدة في دمشق إلى الاعتراف الدولي والدعم الاقتصادي. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي مقاربة جديدة لهذا الملف، ولو جاءت بصيغة ضمنية أو غير مباشرة، ستُشكّل تحوّلًا نوعيًا في الصراع التقليدي على الحدود الجنوبية.
بالتوازي، يُطرح ملف جبل الدروز كعنوان حساس قابل للإدراج في المرحلة اللاحقة، لكن ضمن مقاربة مختلفة لا تصل إلى حدّ الاعتراف أو التقسيم. وتتمحور الطروحات المتداولة حول ترتيبات أمنية وضمانات دولية وصيغ إدارية خاصة، تُقدَّم على أنها أدوات استقرار لا مشاريع فصل، في إطار رؤية أميركية تقوم على تحييد المناطق الحساسة بدل تفجيرها.
في هذا المناخ، تبدو السلطة الحالية في دمشق أمام معادلة دقيقة: الانخراط في الشروط الدولية بما يضمن بقاءها وتخفيف الضغوط، أو المجازفة بالعودة إلى العزلة وما تحمله من ارتدادات اقتصادية وأمنية. أما واشنطن، فتمسك بالخيوط الأساسية، وتدير المرحلة بمنطق الاختبار المتدرّج، حيث لا يُمنح الاعتراف دفعة واحدة، ولا تُرفع الكلفة إلا مقابل التزام ملموس.
هكذا، لا يُشكّل إلغاء «قيصر» نهاية الأزمة السورية، بل بداية فصل جديد تُدار فيه البلاد بمنطق التفاهمات المرحلية، فيما تبقى السيادة، بمفهومها الكامل، مؤجلة بانتظار ما ستؤول إليه موازين القوى وشروط التسويات المقبلة.