
انعقد المؤتمر العالمي للصحافيين العلميين في العاصمة الجنوب أفريقية بريتوريا، بمشاركة صحافيين وخبراء من لبنان واليمن ومصر ونيجيريا ومختلف دول العالم.
وهدف المؤتمر إلى مناقشة التحديات والمخاطر التي تواجه الصحافة العلمية، ولا سيما في مناطق النزاعات والحروب والأنظمة القمعية، وتسليط الضوء على سبل حماية الصحافيين وتعزيز دورهم المهني.
كما ركّز على أهمية الصحافة العلمية في نقل المعرفة الموثوقة، ومواجهة التضليل، والدفاع عن الحقيقة العلمية والعدالة الاجتماعية في ظل الأزمات العالمية المتصاعدة.
وافتتحت الموتمر الصحافية سارة مطر بكلمة تحت عنوان "التغطية الصحافية في مرمى النيران"
حيث قالت : لا يمكن للبنانيين أن ينسوا فظاعة الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والتي بدأتها قوات الاحتلال عام 2023 بعد يوم على طوفان الأقصى وحرب الإبادة الجماعية في غزة، والتي توسعت في 23 سبتمبر 2024 واستمرت 66 يوماً حتى 27 نوفمبر 2024، وهو تاريخ وقف إطلاق النار. مع العلم، أن الخروقات الإسرائيلية لم تتوقف حتى اليوم، سواء من خلال القصف بالمسيّرات أو الاستهداف المباشر.
وأضافت : لكن بالعودة إلى حرب الـ 66 يوماً، فقد ذاق النازحون الأمرّين، وهم النازحون قسراً من منازلهم وأرزاقهم في محافظات الجنوب والنبطية وبعلبك – الهرمل والبقاع (شرق لبنان) ومن الضاحية الجنوبية لبيروت، وكان مصيرهم افتراش الأرصفة والشوارع والباحات العامة وحتى الشواطئ، بعد أن ضاقت بهم المدارس، والتي كانت حينها بمثابة مراكز إيواء، فتُرك أكثر من مليون نازح في العراء يواجهون مرارة التشرّد وسط انعدام الخدمات الحيوية الأساسية، من فُرش نوم وأغطية وبطانيات ومستلزمات النظافة الشخصية ولوازم النساء وحليب الأطفال والحفاضات، فضلاً عن الأدوية الضرورية لمرضى السكري والضغط والربو والحساسية وذوي الأمراض المزمنة والمستعصية، ولا ننسى طبعاً الصعوبات التي ذاقها الأشخاص المعوّقون وأهاليهم، ومضاعفاتها على صحتهم النفسية والجسدية. ووصل الأمر إلى حد متاجرة البعض بالمواد الإغاثية واحتكارها وبيعها للنازحين بأسعار باهظة، لا يقوون عليها، وهم الذين هربوا من القصف الإسرائيلي بملابسهم فقط.
وتابعت : لم تنسحب حركة النزوح القسري على المواطنين اللبنانيين فحسب، بل شملت اللاجئين الفلسطينيين والسوريين وعاملات المنازل المهاجرات، حيث وجدوا جميعهم أنفسهم في الشوارع، من دون مأوى لائق، حتى إنّ بعضهم تعرّض للتمييز وحُرموا من دخول المدارس بذريعة أنّها مخصصة فقط لإيواء اللبنانيين.
وبصفتي صحافية لبنانية واكبت تغطية تلك الحرب الأليمة ومقابلة النازحين أينما كانوا وتحت وطأة القصف الإسرائيلي، يمكنني التحدث اليوم عن المخاطر التي واجهتها أسوة بغيري من الصحافيين في لبنان.
أولاً، خطورة الوضع الأمني والتنقل بسبب استهداف القوات الإسرائيلية للسيارات والمطلوبين عبر استخدام المسيّرات، وذلك على امتداد لبنان، حتى صارت شوارعه كلها مهددة وغير آمنة.
وأكملت رغم ذلك، واصلتُ التنقل من منزلي في محافظة جبل لبنان إلى العاصمة بيروت وضواحيها، من أجل نقل أوجاع النازحين ومعاناتهم ومطالبهم.
ثانياً، تعرضتُ مع زميلي المصور الصحافي أكثر من مرة لمحاولات تضييق ومنع من دخول بعض مراكز الإيواء المحسوبة على أحزاب لبنانية معينة، وذلك بهدف تفادي الفضيحة المدوّية، في انعدام أبسط مقوّمات الحياة في هذه المراكز التي تشبه كل شيء إلا مراكز الإيواء. كنا نعاني كي نحصل على موافقات للدخول، والموافقة هنا ليست من الدولة اللبنانية، إنما من الأحزاب.
ثالثاً، إشكالية تضارب المعطيات والمعلومات المضللة، إذ كانت كل وزارة أو جهة رسمية تتحدث عن أرقام مختلفة، سواء لجهة عدد النازحين أو الشهداء والجرحى أو عدد المستشفيات والمراكز الصحية المتضررة أو حجم المساعدات والإمكانيات أو حتى حجم الأضرار والخسائر. وقد لمستُ مراراً من جهات مسؤولة محاولات للتملص من الإجابة على حقائق مهمة للشعب اللبناني، مثل سبب غياب المواد الإغاثية الأساسية ومراكز الإيواء اللائقة والخدمات الحيوية، علماً أن الدولة اللبنانية بمختلف مؤسساتها ووزاراتها كانت تتحدث عن جهوزيتها للحرب، فضلاً عن التصريحات المتواصلة لبعض الأحزاب اللبنانية بأنّ كلّ الاستعدادات قائمة، قبل أن تنكشف الفضيحة ويُرمى النازحون في العراء.
حاولتُ تقصّي أسباب انعدام فُرش النوم والأغطية من خلال التواصل مع نازحين وتجّار وجمعيات ومنظمات إغاثية، وطبعاً مع الهيئة العليا للإغاثة، وهي الجهة الرسمية المكلفة من الدولة اللبنانية بإغاثة المتضررين من الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية. وتبيّن من خلال البحث والتقصي الصحافي أنّ هناك جهات تتاجر وتحتكر وترفع أسعار هذه المستلزمات، مستغلّين الحاجة الملحّة إليها من قبل النازحين، وارتفاع الطلب عليها.
وقد وصل سعر فراش النوم مثلاً إلى نحو 25 دولاراً أميركياً بعد أن كان نحو ثماني دولارات فقط قبل العدوان الإسرائيلي.
وتذرّعت الحكومة اللبنانية حينها بأنّ عدد النازحين أكبر بكثير من الإحصاءات، وقد يصل إلى مليون نازح، وهذه أكبر عملية نزوح في تاريخ لبنان. وهذا التصريح بحد ذاته، يشير إلى تداعيات المعلومات المضللة والخلل في رصد الحقائق والمعطيات الدقيقة من قبل الدولة وأجهزتها. مع العلم، أنني سلطت الضوء في كتاباتي على أن الاستجابة الصحية كانت أفضل نوعاً ما من تلك الإغاثية، وفقاً لمعطيات رسمية ومقابلات مع مرضى تلقوا الأدوية والعلاج ولو بعد فترة. بينما برّرت السلطات انعدام المساعدات الإغاثية بأزمة شحّ المواد وعدد النازحين الهائل، ليتبيّن لاحقاً أنها مجرد حججٍ لم تخلُ من عمليات فساد وفوضى وزبائنية واحتكار مارستها بعض الجهات النافذة، والتي أدّت في ديسمبر 2024 إلى إقالة الأمين العام السابق للهيئة العليا للإغاثة من منصبه.
وتابعت : خلال مقابلاتي مع النازحين، وصفت النازحة اللبنانية سميرة حسن من الضاحية الجنوبية لبيروت معاناتها في أحد مراكز الإيواء، حيث أقامت مع عشرة أشخاص في غرفة واحدة. وقالت حينها لـ"العربي الجديد" إنّ ابنها مريض، وحالتهم يُرثى لها، يفترشون الأرض منذ أيام، وأنّهم بعد طلبات متكررة، حصلوا على فرشة واحدة، استحوذ عليها أحدهم لاحقاً كون والده كبيراً في السن. وكشفت أنهم لم يلحظوا أي مساعدة تُذكر من الحكومة.
بدورها، تحسرت النازحة سارية حمزة على حال ابنها الضرير الذي خضع قبل الحرب لعملية جراحية، وقالت: "لا فرش ولا وسادات ولا شيء. بعد جهد كبير، حصلت على فرشة كي يستريح ابني عليها، وحين غادرت لأدخله دورة المياه، عدت فوجدت أن الفرشة اختفت. أصبح همّنا الأول أن نجد فرشة ورغيف خبز وقطرة ماء. وضعونا فوق بعضنا وتركونا، وكل الغرف في مركز الإيواء مكتظة، ولا توجد أي خدمات، كما أنّ أسعار الفرش أصبحت خيالية. هناك من يستغل ضعفنا ويتاجر بمأساتنا. الحاجات كبيرة، والوضع لا يُحتمل، والحكومة لا ترأف حتى بأحوال المرضى، ولا قدرة لدينا على استئجار شقة تنقذنا من عذاب النزوح، ومن عيشة الذلّ".
وعند شاطئ الرملة البيضاء غربي بيروت، افترش نحو ألف نازح رمال الشاطئ، غير آبهين بأشعة الشمس، ولا حتى بزخّات المطر التي تساقطت قبل أيام قليلة حينها، وأمام الإجرام الإسرائيلي ظهروا وكأنهم غير مكترثين بغدر البحر المحتمل. نصبوا الخيام او ما تيسّر من القماش للاحتماء. وهناك تحدثت سيدة لبنانية نزحت من الضاحية الجنوبية لبيروت عن ألم النزوح والعيش في العراء، وقالت لـ"العربي الجديد": "نستحمّ في البحر أو نستخدم المناديل المبلّلة لتنظيف أنفسنا. كنّا نظنّ أنّها مسألة يوم أو يومَين قبل أن نعود إلى ديارنا، لكنّنا اصطدمنا بواقع التشرّد المرير، بينما لنريد العيش على الرمال ولا على الأرصفة".
كذلك تجلس اللاجئة الفلسطينية المسنّة مريم حرز على كرسيها المتحرّك، وهي التي خضعت لعملية جراحية قبل نحو أسبوعَين من الحرب، وقد بُترت ساقها اليمنى. لم يُكتَب لها أن تتعافى في منزلها في مخيم صبرا، القريب من مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت.
وأخبرت "العربي الجديد" كيف هربت من الغارات الإسرائيلية العنيفة في اتجاه الشاطئ ونسيت أدويتها وماكينة الأكسجين المحمولة، وهي التي تعاني من مشكلات في الرئتَين، مع سعال وضيق في التنفّس. كذلك نسيت المضادات الحيوية، إذ إنّ جرح ساقها المبتورة كان ينزف بعد العملية الجراحية". وقالت حينها: "كنت أودّ البقاء في المخيم عوضاً عن اختبار الذلّ والإهانة على الرمال".
وعند الشاطئ ذاته، تحدثت اللاجئة السورية براء بريمو عن معاناتها من حساسية في الجلد، بعد أيام من نزوحها إلى الشاطئ. وقالت لـ"العربي الجديد": "إنّنا محرومون من أبسط مقوّمات النظافة الشخصية؛ لا صابون ولا شامبو ولا معجون أسنان ولا فوط صحية ولا أيّ شيء آخر. الرمال تعلق على ثيابنا وأقدامنا وعلى الفرش المحدودة التي حصلنا عليها من الخيّرين". وأضافت براء: "اضطررت إلى قصّ غالون المياه وتحويله إلى وعاء أنقع فيه ثيابنا وأغسلها بيدَيّ، فيما البرد والرطوبة يسيطران ليلاً، ولا نملك بطانيات. إنّها أبشع مرحلة في حياتي. لم أتصوّر يوماً أن أشتهي الطمأنينة وراحة البال إلى هذا الحدّ. فقد دُمّر منزلنا في سورية، وها نحن فيلبنان متروكون لمصيرنا".
وأمضت مجموعة من عاملات المنازل المهاجرات أيامهم ولياليهم على الأرصفة منذ بدء العدوان، بعد أن تُركن في الشارع لقدرهنّ، وسط البؤس، والقهر، والجوع. وسردت فاطمة أميدو، القادمة من سيراليون، كيف أنّها صُدمت عندما استقلّت صاحبة المنزل السيارة وهربت من الغارات الإسرائيلية برفقة أطفالها، من دون أن تكترث لأمر فاطمة. واكتفت بالصراخ والقول لها: "اذهبي إلى شقيقاتك الأفريقيات من سيراليون". وأضافت: "وصلنا إلى الكورنيش عند منتصف الليل، وأدركنا أننا لم نعد نملك شيئاً، لا المال، ولا الثياب، ولا الطعام، ولا المياه، حتى إن الهواتف وجوازات السفر ليست في حوزة معظمنا. غفونا على الأرصفة، فلا فُرش ولا أغطية ولا وسادات، ولم يكترث أحد لأمرنا. استفقنا على هول الفاجعة بعدما صرنا بلا مأوى".
شهادات مؤلمة حصلت عليها خلال مقابلتي النازحين من مختلف الجنسيات في لبنان، وهو ما زوّدني بالمواد الصحافية والهموم المعيشية التي يمكن تسليط الضوء عليها وسؤال المعنيين الرسميين بشأنها. لكن اللافت، في لبنان، كما في العديد من الدول، هو انعدام الإحصائيات الدقيقة ومعاناة الصحافي للحصول على الأرقام والمعطيات والعراقيل التي توضع أمامه لردعه عن كشف الحقيقة المريرة.
وفي تقرير نشرته مؤخراً في صحيفة وموقع "العربي الجديد" عن مدى استعدادات الدولة اللبنانية لاحتمال توسّع الحرب الإسرائيلية من جديد، خصوصاً بعد الثغرات الفاضحة في الخطة الوطنية العام الماضي، يظهر جليّاً محاولات المعنيين طمس الحقائق والتهرب من الإجابة على أسئلة شائكة بنظرهم. ففي حين كشف مصدر معني بإدارة الإغاثة والكوارث أن "الحكومة اللبنانية تتّخذ بشكل دائم إجراءات احتياطية سواء في حالة السلم أو الحرب"، استدرك بالقول: "لكن طبعاً ضمن الإمكانيات المتاحة". ورفض أن يتم ذكر اسمه في التحقيق الصحافي، وقال: "لا نبرّر الثغرات التي رافقت تجربة الاستجابة الإنسانية خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان أواخر العام الماضي، لكن الواقع تخطى كل التوقعات، خصوصاً عندما نتحدث عن نزوح ربع الشعب اللبناني في غضون ساعات، إنه رقم مهول، وهي كارثة غير مسبوقة عرقلت جهود الإغاثة والاستجابة". وأبدى أمله في أن تكون الجهوزية أكثر فعالية من المرحلة السابقة. في حين أن الاستراتيجيات والخطط الفعّالة لا تُبنى على الأمل.
ولم تنجح محاولاتي الكثيفة بالتواصل مع أمين عام المجلس الأعلى للدفاع في لبنان، من أجل الاستفسار عن الخطة الوطنية المفترضة، ما يطرح التساؤلات حول مدى وجود خطة فعلية يراهن عليها اللبنانيون في حال توسّع الحرب الإسرائيلية، ويفتح التكهنات أمام مصير تشرّد محتوم بانتظار النازحين.
كلها استنتاجات ومعطيات يستطيع الصحافي الوصول إليها عندما يضع مساراً واضحاً لعمله ومخططاً دقيقاً لنهجه في مقاربة أي تحقيق صحافي، ويبقى الأهم استقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة وتدعيمها بأرقام وإحصاءات المنظمات الدولية المتخصّصة ووكالات الأمم المتحدة وغيرها من المصادر المفتوحة التي تتمتّع بالمصداقية.