
في ظل انهيار الاقتصاد اللبناني وتسارع التحوّلات الرقمية العالمية، يجد خريجو الجامعات أنفسهم عالقين بين البطالة، الهجرة، وعدم جاهزية التعليم لمواكبة متطلبات الذكاء الاصطناعي وسوق العمل الحديث.
لم يعد التخرج من الجامعة في لبنان بداية لمستقبل واعد، بل محطة مواجهة مع واقع مرير. في بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية مستمرة، ويشهد تضخّمًا في البطالة بين الشباب، يُظهر دخول الذكاء الاصطناعي إلى سوق العمل العالمي هشاشة النظام التعليمي اللبناني، الذي لم يواكب التحوّلات الحديثة ولا يوفّر المهارات الرقمية المطلوبة.
في هذا المناخ، تتحوّل الشهادة الجامعية من أداة تمكين إلى عبء، إذ يواجه الخريجون صعوبة في إيجاد وظائف مستقرة، أو يضطرون للهجرة بحثًا عن فرص غير موجودة في وطنهم.
تشير البيانات إلى أن معدل البطالة في لبنان يقارب 29%، فيما تصل نسبة بطالة الشباب بين 18 و29 عامًا إلى 48%. ويخرّج لبنان سنويًا أكثر من 40 ألف خريج جامعي، لكن السوق المحلي قادر على استيعاب نسبة محدودة منهم، لا تتجاوز % 18 بعد التخرج.
الأمر الأكثر خطورة أن أكثر من 60% من القوى العاملة في لبنان يعملون في القطاع غير المنظّم، ما يجعل حتى الوظائف المتاحة هشّة وغير مستقرة. في هذه الظروف، تصبح البطالة والهجرة خيارين شبه إلزاميين للخريجين، بدل أن يكون التعليم جسرًا لمستقبلهم.
على الصعيد العالمي، بات الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في سوق العمل، إذ تشير تقارير دولية إلى أن 40% من الوظائف التقليدية معرضة للتغيّر أو الاختفاء خلال السنوات المقبلة. في المقابل، هناك وظائف جديدة تتطلب مهارات رقمية، تحليلية، وقدرة على العمل مع أنظمة ذكية.
في لبنان، يفتقر التعليم الجامعي لهذه المهارات، وتستمر الجامعات في اعتماد مناهج نظرية تفتقد التطبيق العملي، ما يجعل الخريجين أقل قدرة على المنافسة داخليًا وخارجيًا.
يُقدّر أن أكثر من 600 ألف لبناني غادروا البلاد في السنوات الأخيرة، غالبيتهم من الشباب وحملة الشهادات الجامعية، بحثًا عن فرص عمل ومستقبل آمن. الدول المستقبِلة لهذه الكفاءات تستفيد من قدرات خريجي لبنان، بينما يفقد لبنان رأس ماله البشري الأكثر تأهيلًا.
أن الحلول المقترحة للخروج من أزمة خريجي الجامعات تتطلب رؤية وطنية واضحة تشمل:
- تحديث المناهج الجامعية ودمج مهارات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
- تطوير التوجيه المهني وربط التعليم بحاجات سوق العمل الفعلية.
- الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص لتوفير تدريب عملي.
- الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والتقنية الحديثة لاستيعاب الخريجين محليًا.
واقع خريجي الجامعات في لبنان ليس مجرد أزمة جيل، بل انعكاس لأزمة دولة في إدارة مواردها البشرية. إذا أراد لبنان أن يحوّل الذكاء الاصطناعي من تهديد إلى فرصة، فلا بد من إعادة بناء التعليم وربطه بسوق العمل الحديث. فالشهادة ليست مجرد ورقة، بل مستقبل الوطن وشبابه.