
في بلد يرزح تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، تتصدّر الأرقام الصادمة واجهة المشهد اللبناني. فبحسب تصنيف مجلة «فوربس»، حقّقت عائلة ميقاتي، المؤلّفة من الشقيقين نجيب وطه ميقاتي، أكبر زيادة في الأرباح على المستوى اللبناني، والثانية عربيًا، إذ ارتفعت ثروتهما بنحو 1.2 مليار دولار خلال عشرة أشهر فقط، لتصل القيمة الإجمالية لثروتهما إلى حوالي 7.4 مليارات دولار.
هذه القفزة المالية الاستثنائية لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي يعيشه لبنان، حيث انهارت العملة الوطنية، وتآكلت ودائع المواطنين في المصارف، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة. هنا، يبرز السؤال الجوهري: كيف تتضخّم الثروات الخاصة بهذا الحجم، فيما تتبخّر أموال اللبنانيين؟
بين السلطة والثروة
يشغل نجيب ميقاتي موقعًا محوريًا في الحياة السياسية اللبنانية، وقد تولّى رئاسة الحكومة في مراحل مفصلية من تاريخ البلاد، بما فيها فترة الانهيار المالي. هذا التداخل بين النفوذ السياسي والقدرة الاقتصادية يفتح الباب واسعًا أمام نقاش مشروع حول طبيعة النظام الاقتصادي في لبنان، وحدود المساءلة، وتكافؤ الفرص.
ورغم أن «فوربس» تعتمد في تصنيفاتها على تقديرات لثروات ناتجة عن استثمارات وشركات خاصة، إلا أن الرأي العام اللبناني يرى في هذه الأرقام انعكاسًا لفجوة عميقة بين طبقة حاكمة – مالية، وغالبية شعب يدفع ثمن سياسات فاشلة وغياب الإصلاح.
أموال عامة أم أرباح خاصة؟
لا يتهم هذا التقرير بشكل مباشر مصادر الثروة، لكنه يسلّط الضوء على الإشكالية الأخلاقية والسياسية:
كيف يمكن لمسؤولين أو شخصيات على تماس مباشر مع القرار العام أن يراكموا أرباحًا خيالية، بينما تعجز الدولة عن تأمين أبسط حقوق مواطنيها من كهرباء، واستشفاء، وضمان اجتماعي؟
بالنسبة لكثير من اللبنانيين، لم تعد الثروات الضخمة تُقرأ كنجاحات فردية، بل كمرآة لنظام سمح بخصخصة الأرباح وتعميم الخسائر، حيث تحوّلت أموال الشعب المحتجزة في المصارف إلى عبء، فيما بقيت الثروات الكبرى بمنأى عن أي خسارة فعلية.
مطلب الشفافية والمحاسبة
في ظل هذه الوقائع، يتجدّد مطلب الرأي العام بإقرار:
قوانين رفع السرية المصرفية بشكل كامل
محاسبة سياسية ومالية فعلية
فصل واضح بين السلطة والثروة
فالأزمة اللبنانية لم تعد أزمة أرقام فقط، بل أزمة عدالة وثقة. وبينما تواصل الثروات الكبرى نموّها، يبقى السؤال معلّقًا:
هل ما يتكدّس في حسابات القلّة هو ثمن ما خسره الشعب؟
هذا السؤال، أكثر من أي رقم، يختصر وجع اللبنانيين اليوم.