
لم يعد السؤال: إلى أين؟ بل صار: كيف تجرأتم؟ كيف ضاق هذا الوطن، الواسع بتاريخه، حتى خُنق في حنجرة خطاب، وتيبّس في قبضة سلطة، وتحوّل إلى نشرة وعود منتهية الصلاحية؟..
"تخنّتوها" ليست شتيمة عابرة، بل توصيفٌ دقيق لحالة سياسية مزمنة؛ حالة الإختناق العام، حين يصبح الهواء إمتيازاً، والكلمة تهمة، والإعتراض خيانة جاهزة بختم رسمي...
تخنّتوها حين صادرتم السياسة بإسم الإستقرار، والناس بإسم المصلحة، والمستقبل بإسم الضرورة...
تخنّتوها حين جعلتم الدولة صندوقاً مغلقاً، مفاتيحه موزّعة بين زعماء لا يجتمعون إلّا على إقتسام الغنائم، ولا يختلفون إلّا على ترتيب الأدوار. وحين صار الفشل سياسة، والتعطيل إنجازاً، والإنهيار ظرفاً خارجياً لا علاقة لأحد به...
تخنّتوها عندما إستبدلتم المحاسبة بالخطابة، والقانون بالتسويات، والحق بالميزان الطائفي. كل شيء عندكم قابل للتأجيل؛ العدالة، الإصلاح، الكرامة. وحده المواطن لا يُؤجَّل؛ يُستهلَك، ثم يُرمى على هامش الخريطة، مع نصيحة أخيرة بالصبر...
تخنّتوها لأنكم لم تعودوا تسمعون. لا تسمعون صراخ الأمهات، ولا إرتطام الشباب بجدران الهجرة، ولا أنين الإقتصاد وهو يُسحب من غرفة الإنعاش إلى المقبرة. تسمعون فقط صدى أصواتكم، يتردّد في قاعات مغلقة، محصّنة من الواقع، معقّمة من الحقيقة...
تخنّتوها حين تحوّل الإعلام عند بعضكم إلى بوق، والمعارضة إلى ديكور، والديمقراطية إلى مناسبة موسمية تُستدعى عند الحاجة وتُدفن بعدها مباشرة. وحين صار السؤال البسيط: أين صُرفت الأموال؟ أخطر من جريمة كبرى. لكن اعلموا؛ الإختناق لا يدوم إلى الأبد. الأوطان، مثل الصدور، إمّا أن تتنفّس… أو تنفجر. وإن كنتم قد تخنّتوها اليوم بالقوة، فـ غداً ستفتح النوافذ من حيث لا تتوقّعون.