
لم تعد المنطقة أمام تصعيد عابر يمكن احتواؤه بجولة اتصالات جديدة. المشهد يتدحرج من جبهة إلى أخرى، والرسائل النارية تتسع من اليمن والبحر الأحمر إلى السعودية، فيما يبقى الجنوب اللبناني في قلب الحسابات الأمنية والسياسية، وسط سباق بين المساعي الدبلوماسية لمنع الانفجار وبين وقائع ميدانية تنذر بمرحلة أكثر تعقيدًا.
الهجمات الحوثية التي طالت محيط العاصمة السعودية الرياض ومنشآت حيوية، بالتزامن مع استمرار التوتر في اليمن، رفعت منسوب القلق الإقليمي، وأعادت طرح السؤال حول قدرة الأطراف الدولية على منع انتقال المواجهة من ساحات محددة إلى صراع إقليمي أوسع.
وفي بيروت، لم يمر التصعيد من دون تداعيات. فقد أصدرت السفارة الأميركية تنبيهًا أمنيًا حذّرت فيه من استمرار تعقيد الوضع في الشرق الأوسط وإمكان حصول تطورات مفاجئة، داعيةً الأميركيين إلى توخي الحذر والاستعداد لاحتمال اضطرابات تطال حركة السفر والطيران.
جنبلاط: معالجة أكثر من جبهة في وقت واحد
وسط هذه الصورة، دخل وليد جنبلاط على خط الأزمة الإقليمية من بوابة سياسية مختلفة.
ففي موقف عبر منصة «إكس»، دعا إلى تطبيق «اتفاق إسلام آباد»، بالتوازي مع العمل على هدنة مع الحوثيين، في مقاربة تقوم على أن احتواء التصعيد يحتاج إلى فتح مسارات تسوية متزامنة بدل ترك كل جبهة تتفاعل بمعزل عن الأخرى.
موقف جنبلاط يأتي في توقيت تتقاطع فيه الملفات الإقليمية، من اليمن والبحر الأحمر وصولًا إلى الجنوب اللبناني، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الضربات المتبادلة إلى توسيع دائرة الاشتباك.
لبنان... المتلقي المباشر لتداعيات الإقليم
بالنسبة إلى لبنان، لا يمكن التعامل مع المشهد وكأنه يجري بعيدًا عن حدوده.
فالجنوب لا يزال يعيش تداعيات المواجهة، فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية وتبقى أوضاع الأهالي والنازحين في صلب التحديات أمام الدولة اللبنانية.
وفي ظل غياب تسوية نهائية تنهي حالة الاستنزاف، تزداد الحاجة إلى مقاربة رسمية واضحة تجمع بين المسار السياسي والتحرك الدبلوماسي ومعالجة التداعيات الإنسانية والأمنية على الأرض.
وهنا تصبح نيويورك محطة أساسية.
سلام في نيويورك... والجنوب على الطاولة
يتجه رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك في مرحلة دقيقة، حاملاً ملفات لبنانية تتجاوز حدود طرح الشكوى من الاعتداءات الإسرائيلية.
فالمطلوب لبنانيًا هو تثبيت قضية الجنوب ضمن مسار دولي واضح: وقف الاعتداءات، حماية السكان، معالجة آثار الحرب، متابعة المفاوضات، والبحث في مستقبل «اليونيفيل» والترتيبات الأمنية التي ستلي المرحلة الحالية.
كما تكتسب اللقاءات مع المسؤولين الأميركيين أهمية خاصة في ظل الدور الأميركي في الاتصالات المتعلقة بالترتيبات الأمنية والتفاوضية.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في مكان آخر: هل تستطيع الدبلوماسية اللبنانية تحويل الدعم السياسي الدولي إلى إجراءات عملية على الأرض؟
إسرائيل والليطاني... أسئلة ما بعد الهدنة
وفي موازاة الحراك الدبلوماسي، تتوالى التقارير الإسرائيلية حول تحركات عسكرية في الجنوب.
تقارير تحدثت عن شق طرق وتجهيزات عسكرية في محيط الليطاني، في ما اعتبرته أوساط إعلامية إسرائيلية جزءًا من استعدادات لبقاء عسكري لفترة أطول.
وزاد تصريح السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي من علامات الاستفهام، بعدما تحدث عن استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى حين امتلاك الجيش اللبناني القدرة الكافية لتولي المسؤولية الأمنية.
وبذلك، لا يعود النقاش محصورًا بموعد وقف العمليات العسكرية، بل يمتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف سيكون شكل الترتيبات الأمنية في الجنوب، ومن سيتولى مسؤولية الأمن، وما هو الدور الذي سيُمنح للجيش اللبناني؟
«اليونيفيل»... ساعة الحسم تقترب
وفي الخلفية، يبرز ملف «اليونيفيل» كأحد أكثر الملفات حساسية.
فمستقبل القوة الدولية في الجنوب بات مرتبطًا مباشرة بالنقاش حول المرحلة المقبلة، وسط حديث عن ترتيبات انتقالية أو صيغ جديدة للعمل الدولي.
وأي تغيير في مهمة القوة الدولية لن يكون تفصيلًا تقنيًا، إذ إن الجنوب سيجد نفسه أمام معادلة أمنية جديدة تحتاج إلى وضوح في الأدوار والضمانات والجهات التي ستتولى حماية الاستقرار.
وهنا تتقاطع ثلاثة عناوين: الجيش اللبناني، القوة الدولية، والواقع العسكري الإسرائيلي.
الحكومة... ضغط الخارج لا يلغي أزمات الداخل
وبعيدًا عن الجنوب والملفات الدولية، تواجه الحكومة اللبنانية مجموعة من الاستحقاقات الداخلية.
ملف الكهرباء عاد إلى الواجهة، وسط تحذيرات وزير الطاقة جو الصدي وتصاعد النقاش حول طريقة إدارة القطاع والخيارات المطروحة لمعالجة أزمته.
وفي الوقت نفسه، ترددت معلومات عن احتمال حصول تغيير في بعض المواقع الوزارية، إلا أن مصادر حكومية نفت وجود توجه حالي لإجراء تعديل وزاري، معتبرةً أن أي خطوة من هذا النوع قد تؤثر في التوازنات الدقيقة داخل الحكومة.
لبنان بين النار وطاولة التفاوض
المشهد اللبناني بات بالتالي محكومًا بمسارين متوازيين: مسار ميداني يتأثر بما يجري في الجنوب والمنطقة، ومسار دبلوماسي يحاول انتزاع مساحة للبنان قبل أن تفرض الوقائع العسكرية شكل المرحلة المقبلة.
من الرياض إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الجنوب، تتوسع دائرة الأسئلة.
أما بيروت، فتدخل مرحلة دقيقة لا يكفي فيها إصدار المواقف أو البيانات، بل تحتاج إلى موقف رسمي متماسك، وتحرك دولي فعّال، وترجمة عملية لأي تفاهمات قد تُنتجها الاتصالات.
ففي المنطقة، قد تكون المسافة بين التهدئة والتصعيد قصيرة جدًا... وفي لبنان، قد تكون كلفة الانتظار أكبر من قدرة الدولة على الاحتمال.
الأحد، ٢٠ أيلول ٢٠٢٦