
يشكّل البحر الأحمر أحد أبرز الكنوز الطبيعية في المنطقة، بما يختزنه من تنوع أحيائي فريد وشعاب مرجانية تُعد من الأكثر قدرة على التكيّف مع التغيرات المناخية. وفي ظل التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة، يبرز تحدي إدارة هذه الثروة بطريقة تضمن استدامتها للأجيال المقبلة، دون إبطاء عجلة التنمية.
خبراء في علوم البحار يؤكدون أن الساحل السعودي على البحر الأحمر أصبح نموذجاً عالمياً في التوفيق بين التطوير المتسارع والحفاظ على النظم البيئية الحساسة، من خلال إدماج الدراسات العلمية في مراحل التخطيط الأولى لأي مشروع بحري أو ساحلي.
الدكتور هكتور باريوس من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية يوضح أن استخدام تقنيات تتبع السلاحف البحرية عبر الأقمار الصناعية أتاح فهماً معمقاً للترابط البيئي في البحر الأحمر. فالسلاحف، بحسب وصفه، ليست مجرد كائنات مهددة، بل مؤشرات حيوية تعكس صحة الموائل البحرية ومسارات الهجرة، ما يجعل مراقبتها أداة أساسية في تقييم استدامة الأنشطة البشرية.
وتكشف أبحاث أُجريت بالتعاون مع محمية نيوم الطبيعية أن نسبة كبيرة من مواقع تعشيش السلاحف في شمال شرق البحر الأحمر تقع ضمن الحدود السعودية، ما يضع المملكة أمام مسؤولية إقليمية لحماية هذه الأنواع وصون دورها في التوازن البيئي.
ويشير مختصون إلى أن حركة السلاحف لا تعترف بالحدود السياسية، إذ تسلك ممرات بحرية عابرة للدول، ما يستدعي اعتماد إدارة بيئية واسعة النطاق تقوم على التعاون الإقليمي، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات حماية موضعية.
وفي هذا الإطار، يسهم دمج البيانات البيئية في التخطيط البحري في تحديد المناطق الحساسة، وتوجيه مسارات الملاحة بعيداً عنها، وتقليل المخاطر على الحياة البحرية. كما يدعم هذا النهج قطاعات السياحة المستدامة ومصايد الأسماك، ويعزز قدرة السواحل على الصمود في مواجهة التحديات المناخية.
هكذا، تسعى السعودية إلى ترسيخ نموذج تنموي يقوم على العلم والشراكة البيئية، حيث لا تكون التنمية على حساب الطبيعة، بل في خدمتها وحمايتها في آنٍ معاً.
الأربعاء، ٤ آذار ٢٠٢٦