
يشكّل التعايش اللبناني، بكل تنوّعاته الدينية والثقافية والاجتماعية، الركيزة الأعمق لقيام الدولة واستمرارها. فلبنان الذي وُلد من رحم التعدّد، لم يعرف يومًا معنى الاستقرار بعيدًا عن روح الشراكة، ولا لمس طعم النهوض إلا بقدر ما تمسّك أبناؤه بقيم الأخوّة والانفتاح واحترام الاختلاف.
خلال العقود الماضية، أثبت اللبنانيون أن قوة وطنهم ليست في عدده ولا في موارده المحدودة، بل في نموذجٍ فريدٍ من العيش المشترك قادر، كلما اشتدّت الأزمات، على إنتاج طاقة إنقاذ جديدة. فالتجارب القاسية، من الحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية، لم تُسقط هذا النموذج، بل جعلته أكثر رسوخًا في الوعي الوطني.
واليوم، وفي مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة إحياء تلك الروح الجامعة التي صنعت هوية الوطن. إن الصعود نحو دولة عادلة وقوية لا يبدأ بالشعارات، بل بالتمسّك بتلك القيم التي عبّدت طريق الوحدة: احترام الإنسان، قبول الآخر، والإيمان بأن الوطن يتّسع للجميع دون استثناء.