
الإعلامي الدكتور وجدي صادق
بين طوابير اللبنانيين الممتدّة أمام المصارف، حيث يُختزل حقّ المودع بسؤال مهين عن سقف سحب لا يكفي أسبوعاً، تطل علينا فضيحة مدويّة تحمل دلالات تتجاوز الأشخاص والأعراف لتطال جوهر النظام المالي والسياسي في لبنان. الشرارة لم تكن تقريراً رسمياً ولا تحقيقاً قضائياً، بل شراء مسرّب من متجر "Tiffany & Co" في «مانهاتن نيويورك».
إيصالاً يوثّق شراء ساعة فاخرة وقلادتين من الألماس والبلاتين بقيمة حوالي "60.$" ألف دولار. مبلغ ليس عادياً في الأزمة المالية الني يمر فيها لبنان، وهذا الخبر يتحوّل إلى فضيحة سياسية ومالية حين يُقرأ في سياقه اللبناني.
الإسم الوارد على الإيصال هو «مورغان أورتاغوس»، المتحدثة السابقة بإسم وزارة الخارجية الأميركية، فيما جرى الدفع عبر بطاقة مصرفية تعود إلى السيد "أنطون صحناوي"، رئيس مجلس إدارة بنك SGBL اللبناني.
هنا، يبدأ التحقيق الفعلي، فبينما يُمنع المودع اللبناني من تحويل بضع مئات من الدولارات من حسابه الشخصي لتعليم أولاده أو علاجهم، يستخدم رئيس مصرف لبناني بطاقته المصرفية في نيويورك دون أي قيود وضوابط، لشراء بعض الأشياء من الكماليات بمبالغ خيالية.
هذا التناقض وحده كفيل بطرح أسئلة جوهرية عن طبيعة القيود المفروضة؛ على من تُفرض، ولمصلحة من تُرفع؟. هناك تقارير صحافية أجنبية ومحلية تربط بين الإيصال وبين معطيات شخصية تتعلق بالسيدة "أورتاغوس"، التي كانت قد أعلنت إنفصالها عن زوجها، ما فتح باب التكهنات والتحليلات حول علاقة تجمعها بالمصرفي اللبناني النافذ.
في المقابل، سارع مقرّبون من الطرفين إلى تقديم رواية مضادة، مفادها أن المشتريات ليست سوى هدايا عائلية، وأن إسم "أورتاغوس" ورد فقط لكونها تملك حساباً في المتجر. لكن هذه التبريرات سقطت سريعاً أمام الرأي العام اللبناني، الذي لم يعد معنيّاً بطبيعة العلاقة بقدر ما هو معنيّ بمصدر الأموال وكيفية إستخدامها.
فالسيد "أنطون صحناوي" ليس رجل أعمال عادياً، بل مصرفي يدير أصولاً تُقدَّر بنحو 26 مليار دولار. ما فوق، وسبق أن إرتبط إسمه بملفات قضائية فيدرالية في الولايات المتحدة، إضافة إلى شبكة علاقات واسعة مع سياسيين ومؤسسات نافذة في واشنطن.
المسألة هنا ليست شخصية ولا أخلاقية، بل سياسية بإمتياز. كيف يُسمح لمصرف لبناني، خاضع نظرياً لقيود التحويلات والسحوبات، أن يموّل نمط حياة مترفاً خارج البلاد، فيما تُفرض على المودعين قيود قاسية بلا أي سند قانوني واضح؟ وأين مصرف لبنان، وأين الهيئات الرقابية، وأين السلطة السياسية التي تتغنّى بالإصلاح بينما تغضّ النظر عن هذا التناقض الفاضح؟ التسريب لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل دليلاً مادياً على ازدواجية النظام المالي:
نظام يقيّد الفقراء بإسم "الأزمة"، ويحرّر النافذين بإسم "العلاقات" و"النفوذ". إيصال واحد كان كافياً ليُظهر أن ما سُمّي "ضوابط إستثنائية" لم تكن سوى أداة لحماية القلة على حساب الأكثرية، في بلدٍ إنهارت فيه الثقة بين المواطن والدولة، لا يحتاج اللبنانيون إلى خطابات جديدة، بل إلى مساءلة فعلية.
فهذه القضية لا تختصرها ساعة أو عقد ألماس، بل تختصرها حقيقة واحدة: أزمة لبنان ليست قدراً مالياً، بل جريمة سياسية ـ مصرفية مستمرّة، يدفع ثمنها اللبناني كل يوم من كرامته وعمره.