
ان الحالة الاقليمية اليوم شديدة الحساسية، وتعيد الى الواجهة في واشنطن النقاش القديم–الجديد حول من يملك قرار اعلان حالة الحرب او ايقافها: هل البيت الأبيض أم الكونغرس؟.
سؤالٌ يبدو نظريًا في أوقات السلم، لكنه يتحول إلى معادلة معقدة عندما تطفو احتمالات استخدام القوة، بما يضع النظام الدستوري الأميركي أمام اختبار دقيق لتدعيم توازناته.
ان الإطار الناظم لهذا الجدل يتمثل فيما يعرف ب War Powers Resolution، الذي يعطي الرئيس هامش التحرك السريع لنشر القوات، لكنه ملزم بابلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة، وفرض سقف زمني لا يتجاوز 60 يومًا لمواصلة العمليات دون تفويض تشريعي.
غير أن هذا القانون، الذي وُضع بعد حرب فيتنام لكبح اندفاعة وميول السلطة التنفيذية ، أثبت انه أكثر مرونة في التطبيق منه في النص، إذ اعتادت الإدارات الأميركية السابقة توسيع تفسيره بما يتلاءم مع حساباتها الاستراتيجية.
تاريخيًا، شكّلت لحظات الصدمة الوطنية بوابة لتوسيع صلاحيات الرئيس "كالذي كان يستند الى ما يشبهها الرئيس ترامب في الضربة الاستباقية على ايران لاسقاط النظام ". ومثلا في أعقاب هجمات September 11 ، أقرّ الكونغرس تفويضًا واسعًا لاستخدام القوة، تحول لاحقًا إلى مظلة قانونية لعمليات عسكرية ممتدة جغرافيًا وزمنيًا. و السيناريو نفسه تكرر مع اعطاء التفويض لغزو العراق في العام 2002، لنشهد بعدها داخل الكونغرس لدعوات تطالب بمراجعة تلك الصلاحيات التي مُنحت في ظروف استثنائية واستُخدمت في سياقات مختلفة.
واليوم الطريق إلى أي تفويض جديد لا يمر فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر حقل ألغام سياسي داخل مجلس الشيوخ، لان قاعدة “الفيلبستر” تعتبر كالسيف لقطع اية محاولة للتمرير. فالحصول على 60 صوتًا لإنهاء النقاش يعني عمليًا أن الأغلبية البسيطة لا تكفي، وأن أي قرار بالحرب يحتاج إلى غطاء سياسي عريض يتجاوز الانقسامات الحزبية. وفي ظل الاستقطاب الحاد، يصبح هذا الشرط عقبة بنيوية، لا مجرد تفصيل إجرائي.
بناء على المشهد السياسي والواقع القائم ، يبرز البعد الشخصي للرئيس " دوناد ترامب" كعامل لا يمكن تجاهله. فالتحديات القانونية التي تحيط به لا تلغي صلاحياته الدستورية كقائد أعلى للقوات المسلحة، لكنها تضعف منسوب شرعيته السياسية، وتُعقّد قدرته على بناء تحالف داخل الكونغرس، ففي نظام يقوم على توازن القوى، لا تكفي الصلاحيات وحدها؛ بل يتطلب الثقة السياسية، وهي امر صعب في مناخ من الانقسام الحاد.
وإذا كان التفويض التشريعي يعتبرالمسار الرسمي، فإن الكونغرس يحتفظ بأداة أكثر حسماً المتمثلة بالتمويل . فسلطته على الموازنة تمنحه القدرة على ايقاف أية عملية عسكرية أو إعادة توجيهها، حتى لو انطلاقت.
ان التمويل يعتبر الأداة التي تشكل أحد أعمدة الرقابة الفعلية على القرار العسكري و التي غالبًا ما تُستخدم بهدوء و بعيدًا عن الأضواء.
الا انه قضائيا ، فيقف القرارعلى مسافة محسوبة من هذا الصراع لانه وبالرغم من ان المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية تملك الكلمة الفصل دستوريًا، الا انها تميل تقليديًا إلى تجنب الانخراط المباشر في نزاعات الحرب، مفضلة ترك المجال للسلطتين التنفيذية والتشريعية لإدارة خلافاتهما ضمن ما يُعرف بـ"الأسئلة السياسية".
بالرغم مما تقدم الا اننا لا يمكن ان تغفل الرأي العام، الذي بات أكثر حذرًا تجاه الانخراط العسكري الخارجي، خاصة بعد تجربة حرب العراق وما خلّفته من كلفة بشرية وسياسية. والامر ينعكس مباشرة على حسابات أعضاء الكونغرس، الذين يدركون أن التصويت على الحرب لم يعد قرارًا تقنيًا، بل مخاطرة انتخابية.
واليوم، ومع انتهاء المهلة القانونية المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب دون صدور تفويض صريح من الكونغرس، تدخل الأزمة مرحلة مفصلية تحمل عدة سيناريوهات محتملة:
أولًا، الالتزام الحرفي بالقانون، ما يفرض على الإدارة الالتزام بإجراءات سحب اأو تقليص العمليات إلى الحد الأدنى خلال فترة التمديد التقنية اي فترة 30 يومًا، وهو الالتزام بالنص الدستوري بالمقابل يُفسَّر سياسيًا على أنه تراجع.
ثانيًا، الاستمرار في العمليات مع إعادة تفسير الصلاحيات الرئاسية، اي اعتبار ان التحركات العسكرية محدودة أو دفاعية، وهو قراركان قد لجات إدارات سابقة، لكنه يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع الكونغرس وربما طعون قانونية.
ثالثًا، السعي المتأخر للحصول على تفويض تشريعي، في محاولة لاحتواء التداعيات السياسية والقانونية، رغم صعوبة تأمين توافق بالراي على نطاق واسع في ظل الانقسام الحزبي الموجود.
رابعًا، لجوء الكونغرس إلى سلاح التمويل من اجل فرض قيود فورية على العمليات، ما قد يؤدي إلى ازمة مؤسساتية وربما صدام مع السلطة التنفيذية.
وعليه لا يبدو أن انتهاء المهلة المقدمة من الكونغرس نهاية لخيارالحرب بقدر ما يفتح فصلًا أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع النصوص القانونية مع الوقائع السياسية. وبينما يمنح الدستور الرئيس قدرة على التحرك السريع في لحظات الحاسمة. كما يبقى للكونغرس القدرةعلى إعادة رسم حدود هذا التحرك، في توازن هش قد يرسم المرحلة المقبلة، ليس فقط من خلال القرار العسكري، بل على صعيد النظام السياسي الأميركي برمّته.