
ابتداءً من الأول من أيلول، الحديث عن زيادة جديدة في رواتب النواب يطرح سؤالاً أكبر من قيمة الزيادة نفسها: بأي منطق تُفتح أبواب الزيادات أمام من يجلسون تحت قبة البرلمان، بينما يُترك الموظف والعسكري والأستاذ والعامل يواجهون الغلاء وكأنهم الحلقة التي لا يحق لها أن تطالب بشيء؟
نحو 5000 دولار للنائب؟!
قد يبدو الرقم، بالنسبة إلى كثيرين، مجرد تفصيل مالي في موازنة دولة. لكنه بالنسبة إلى المواطن اللبناني الذي يركض خلف راتبه آخر الشهر، ويحسب ثمن الخبز والدواء والمحروقات وأقساط المدرسة وفاتورة الكهرباء، ليس رقماً عابراً. إنه فجوة كاملة بين من يملك القرار ومن يدفع ثمنه.
المشكلة ليست فقط في أن النائب يحصل على راتب مرتفع، بل في السؤال الأهم: ماذا عن الموظف الذي أفنى سنوات عمره في خدمة الدولة؟
ماذا عن الموظف الذي تآكل راتبه بفعل الانهيار؟
ماذا عن العسكري الذي يقف على الحواجز وفي أصعب الظروف؟
ماذا عن الأستاذ الذي يحمل أجيالاً كاملة على كتفيه؟
ماذا عن العامل الذي يعمل ساعات طويلة ليؤمّن الحد الأدنى لعائلته؟
هؤلاء أيضاً يستحقون أن يعيشوا بكرامة.
أما أن تصبح الزيادة في رواتب المسؤولين أمراً قابلاً للبحث والتنفيذ، فيما حقوق الناس تتحول إلى وعود مؤجلة، فهنا لا تعود القضية قضية راتب، بل قضية عدالة اجتماعية وأخلاق سياسية.
النائب، في الأصل، ليس موظفاً عادياً يبحث عن راتب أعلى. هو شخص اختاره الناس ليمثلهم ويشرّع باسمهم ويراقب السلطة ويحاسبها. ومن هنا، فإن المنصب النيابي يجب أن يكون قبل كل شيء مسؤولية عامة وخدمة للناس، لا امتيازاً شخصياً.
وفي دولة تحترم نفسها، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم سيقبض النائب؟ بل: هل يستطيع الموظف أن يعيش بكرامة؟ وهل يستطيع المواطن أن يؤمّن حاجاته الأساسية؟
فكيف يمكن إقناع المواطن بأن الدولة تعاني من نقص في الموارد، وأن الخزينة لا تحتمل تحسين رواتب العاملين فيها، ثم يجد أن هناك مساحة لزيادة مخصصات أهل السلطة؟
المفارقة أكثر قسوة حين نتذكر أن راتب النائب، وفق الرقم المتداول، قد يوازي مداخيل عشرات الموظفين والعاملين مجتمعين. وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل أصبحت الدولة مصممة لخدمة من هم في الأعلى، فيما يُطلب ممن هم في الأسفل دائماً أن يتحملوا ويصبروا؟
الصبر له حدود.
والمواطن الذي صبر سنوات على الانهيار، وعلى تراجع الخدمات، وعلى غلاء المعيشة، وعلى انهيار قدرته الشرائية، وعلى انقطاع الكهرباء، وعلى انهيار مؤسسات الدولة، لم يعد بحاجة إلى خطابات عن التقشف؛ بل بحاجة إلى عدالة تُرى في الأرقام والقرارات.
إذا كانت هناك قدرة مالية على تحسين دخل المسؤولين، فلتكن هناك أولاً قدرة على إنقاذ رواتب الموظفين.
وإذا كانت الدولة قادرة على تأمين زيادات لأهل السلطة، فلتؤمّن قبلها راتباً يحفظ كرامة من يعملون فيها.
أما أن يبقى المواطن أسير راتب لا يكفيه، فيما تتحسن مداخيل أصحاب القرار، فهذه ليست مجرد معادلة مالية مختلة.
إنها أزمة ثقة بين الدولة ومواطنيها.
والأخطر أن المواطن بدأ يشعر أن هناك لبنانين:
لبناناً لمن يملك القرار والقدرة على تحسين شروطه، ولبناناً آخر لمن عليه أن يدفع ويصبر ويتحمل.
نحن لا نحتاج إلى نواب أكثر ثراءً، بل إلى دولة أكثر عدلاً.
ولا نحتاج إلى مسؤول يزداد راتبه، بل إلى مسؤول يشعر فعلاً بوجع الناس.
فالنائب الذي يمثل الشعب يجب أن يكون أول من يشعر بمعاناة الشعب، لا أول من يستفيد من خزينة تعاني أصلاً.
أما الفساد وسوء الإدارة والهدر، فليست قصصاً تُروى في نشرات الأخبار وتنتهي. إنها منظومة يدفع ثمنها المواطن من لقمة عيشه ومستقبل أولاده.
وفي بلد أنهكته الأزمات، يصبح السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ:
هل الزيادة للنواب حقٌّ في وقتٍ يُطلب فيه من المواطن أن يكتفي بالحد الأدنى؟ أم أن العدالة أصبحت أيضاً امتيازاً لمن يشرّع؟
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الامتيازات فوق أنقاض الناس.
لبنان يحتاج إلى دولة يشعر فيها النائب والوزير والموظف والعامل والمواطن بأنهم جميعاً تحت سقف واحد من العدالة.