
في بلدٍ فاسد، يتحوّل المواطن إلى رقمٍ في سوقٍ لا يعرف الرحمة، فيما يصبح المسؤول مقدّسًا لا يُسأل ولا يُحاسب. بلدٌ يُطلب من المواطن فيه أن يصبر، وأن يتحمّل، وأن يدفع، وأن يعمل، وأن يبقى صامتًا… بينما من يفترض أن يكون في خدمة الناس يعيش بعيدًا عن وجعهم اليومي.
بلدٌ تبحث فيه على وظيفة، فتُرهقك الأبواب المغلقة والاتصالات والوساطات، وإذا حالفك الحظ ووجدت عملًا، تكتشف أن الراتب لا يكفي أجرة الطريق. تعمل لتصل إلى عملك، وتقبض لتدفع كلفة وصولك إلى العمل، ثم تعود إلى منزلك لتكتشف أنك لم تعش يومك أصلًا.
بلدٌ بلا كهرباء، بلا استقرار، وبلا أفق واضح. بلدٌ يطلب من شبابه أن يبنوا مستقبلهم، فيما هو عاجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة لهم.
في المقابل، هناك مسؤولون يتقاضون رواتب وامتيازات تفوق ما يتقاضاه عدد من الموظفين مجتمعين، وكأن المواطن الذي أوصلهم إلى مواقعهم أصبح آخر من يستحق الاهتمام.
المشكلة ليست في الفقر وحده، ولا في البطالة وحدها، ولا في غياب الكهرباء وحده. المشكلة الأكبر هي غياب الإحساس بالمسؤولية، وغياب الضمير، وتحول المواطن إلى مجرد ورقة انتخابية تُستعاد الحاجة إليها عند الاستحقاقات.
والأصعب من ذلك أن المواطن الذي يحاول أن يغيّر حياته لا يواجه الدولة وحدها، بل قد يجد نفسه في مواجهة أقرب الناس إليه. عندما تقرر أن تعمل، أو أن تبدأ مشروعًا، أو أن تسافر بحثًا عن فرصة، أو أن تخرج من دائرة اليأس، قد تجد من بيئتك ومجتمعك من يحاول إحباطك بدل أن يساندك.
في بلدٍ كهذا، يصبح السفر حلمًا مشروعًا، لا ترفًا. يصبح البحث عن فرصة خارج الوطن محاولةً للنجاة، لا هروبًا من الوطن. يصبح الشاب أمام خيار صعب: أن يبقى في مكان لا يؤمّن له مستقبلًا، أو أن يحمل حقيبته ويبحث في بلاد أخرى عن الاستقرار والعمل والكرامة.
يا عيب الشوم على بلدٍ يصل فيه المواطن إلى مرحلة يشعر فيها أن الهجرة هي الحل الوحيد.
ويا عيب الشوم أكثر على بعض أصحاب الشركات الذين يستغلون حاجة الناس، فيعرضون رواتب لا تكفي حتى للوصول إلى مكان العمل، وكأن الموظف لا يحتاج إلى أن يعيش، بل يكفي أن يبقى على قيد العمل.
نحن لا نطلب المستحيل. نريد دولة تحترم مواطنيها، وفرص عمل تحفظ كرامتهم، وكهرباء تنير بيوتهم، ومؤسسات تحاسب المسؤول قبل المواطن، ورواتب عادلة، وقانونًا يطبّق على الجميع.
نريد بلدًا نستطيع أن نحلم فيه، لا بلدًا يجعلنا نحلم بالرحيل.
نريد وطنًا يشبهنا… وطنًا لا يدفع أبناءه إلى الخارج بحثًا عن حياة كان يفترض أن يؤمّنها لهم في الداخل.
فالمشكلة لم تعد أن المواطن لا يحب بلده؛ المشكلة أن البلد، بما وصل إليه، لم يعد يمنح المواطن سببًا كافيًا ليبقى.