
في بلدٍ يُطلب فيه من العسكري أن يصمد، وأن يحمي، وأن يتحمّل، وأن يواجه أصعب الظروف بأقل الإمكانات، تبدو المفارقة أكثر من صادمة: موازنة الجيش لا تكفي لتأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة لعناصره، بينما تُفتح أبواب الزيادات عندما يتعلّق الأمر برواتب المسؤولين.
فكيف يمكن لعسكري أن يشعر بأن دولته تقدّر تضحياته، عندما يصبح تأمين الطعام والطبابة والحقوق الأساسية معركة يومية، فيما يُطرح رفع مخصصات النواب بنحو 5 آلاف دولار؟
المشكلة ليست في الرقم وحده، بل في الأولوية.
أي منطق مالي هذا الذي يجعل حقوق من يحمل السلاح دفاعاً عن الوطن مؤجلة، بينما تصبح زيادة مداخيل السياسيين أولوية عاجلة؟ وأي عدالة اجتماعية تسمح بأن يُطلب من الموظف والعسكري والمواطن شدّ الحزام، فيما لا يبدو أن الحزام نفسه موجود عندما يتعلق الأمر بأهل السلطة؟
لسنا أمام قضية راتب فقط، بل أمام سؤال أخلاقي وسياسي كبير: من يخدم الدولة فعلاً، ومن يدفع ثمن فشلها؟
العسكري ليس رقماً في جداول الموازنة، والموظف ليس بنداً يمكن شطبه أو تجميده، والمواطن ليس خزينة مفتوحة لتمويل الامتيازات. هؤلاء هم الذين يدفعون ثمن الانهيار من لقمة عيشهم، فيما يدور النقاش في أروقة السلطة حول كيفية تحسين مداخيل أصحاب القرار.
إذا كانت خزينة الدولة لا تحتمل تأمين حياة كريمة للجيش، فكيف تحتمل زيادات جديدة للمسؤولين؟
وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية حقوق من يحميها، فعلى أي أساس تطلب من المواطن أن يثق بها؟
كفى قلباً للأولويات. كفى سياسة بمعيارين. وكفى اعتبار المال العام غنيمةً تتسع عندما يكون المستفيد مسؤولاً، وتضيق عندما يكون المستفيد عسكرياً أو موظفاً أو مواطناً.
قبل زيادة رواتب النواب، اسألوا عن العسكري الذي ينتظر حقه.
قبل تحسين مداخيل المسؤولين، اسألوا عن الموظف الذي لم يعد راتبه يكفيه.
وقبل أن تطلبوا من الناس المزيد من الصبر، أخبروهم: إلى متى سيبقى المواطن يدفع، وأهل السلطة يحصدون؟
الوطن لا يُبنى بامتيازات السياسيين، بل بكرامة الجندي والموظف والمواطن.