
ليس العامل مجرد يدٍ تتقن التعب، بل هو روحٌ تبني الحياة بصمت، وتُشيّد الأوطان بعرقها، فيما يقف كثيرون على منابر الكلام.
هو الإنسان الذي يستيقظ قبل الشمس، يحمل همّ عائلته على كتفيه، ويذهب إلى معركة الحياة اليومية دون ضجيج، ليعود في المساء منهكاً، لكنه يخفي انكساره كي لا يُقلق أبناءه.
وفي يوم العمال، لا يبدو المشهد احتفالاً بقدر ما يبدو وقفةً أمام وجعٍ طويل.
فهذا العالم الذي يقوم على أكتاف العمال، كثيراً ما يُقابل تعبهم بالجحود، ويمنحهم القسوة بدل العدالة، والحاجة بدل الكرامة.
كأنّ المطلوب من العامل أن يبقى آلةً تُنتج وتتحمّل وتصبر، دون أن يكون له حقٌ بحياةٍ تليق بإنسانيته.
كم من عاملٍ أفنى عمره في العمل، ليكتشف أنّ سنوات التعب لم تمنحه الأمان؟
وكم من يدٍ حفرتها القسوة، بقيت أصدق من وجوهٍ تتقن الخطابات والشعارات؟
فهؤلاء الذين يحملون الأرض بأكتافهم، هم أنفسهم الذين تُترك حقوقهم معلّقة بين الوعود والخذلان.
وفي لبنان، يصبح يوم العمال أكثر قسوة من مناسبة.
هنا، لم يعد العامل يطلب الرفاهية، بل يطالب بحقه في البقاء.
يركض خلف راتبٍ لا تلتهمه الأزمات، وخلف حياةٍ لا تُذلّه عند أبواب الحاجة، وخلف دولةٍ لا تعتبر الإنسان مجرد رقمٍ يُستهلك ثم يُرمى.
المأساة ليست في التعب وحده، بل في هدر قيمة التعب.
أن يشعر العامل أنّ عمره يُسرق ببطء، وأنّ جهده لا يكفي ليحمي عائلته من الخوف والجوع والإنهيار.
فأيُّ وطنٍ هذا الذي تُرفع فيه الأبراج من عرق الفقراء، فيما يبقى أصحاب العرق أنفسهم خارج الأمان؟
إنّ كرامة الأوطان لا تُقاس بحجم مشاريعها وشعاراتها، بل بقدرتها على حماية الذين يبنونها.
وحين يُهدر حق العامل، لا تسقط العدالة وحدها، بل يسقط المعنى الحقيقي للدولة والإنسانية معاً.
وفي هذا اليوم، الرسالة يجب أن تكون واضحة وقاسية بقدر الوجع:
لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض فوق تعب الناس المكسور.
ولا يمكن لوطنٍ أن يدّعي الحضارة فيما عمّاله يعيشون القهر والخوف والعوز.
فالعمال ليسوا طبقةً على هامش الحياة، بل هم الحياة نفسها، وهم العمود الذي يمنع سقوط المجتمعات.
تحيةٌ لكل يدٍ تعبت ولم تسرق،لكل إنسانٍ قاوم الحياة بشرف رغم القسوة، ولكل عاملٍ ما زال يحمل هذا الوطن على ظهره، فيما الوطن نفسه يتعثّر.
في يوم العمال…
لا تكفي الكلمات، لأنّ العرق أصدق من الخطب،
لكن أقلّ ما يُقال لهؤلاء:
أنتم الكرامة التي لم تسقط،
وأنتم الحقيقة الوحيدة في زمنٍ امتلأ بالشعارات الفارغة.