
الدكتور حيدر كريم الغراوي
رئيس حزب الرقيب – العراق
في ظلّ التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة، وتصاعد التوترات والصراعات في الشرق الأوسط، نؤكد أن المرحلة الراهنة تتطلب مقاربة قائمة على الحكمة والتوازن والمسؤولية السياسية.
إن العراق، بما يمتلكه من عمق تاريخي وموقع استراتيجي، يقف اليوم أمام فرصة حقيقية ليكون مصدر استقرار ومحور تواصل في المنطقة، بدلاً من أن يكون ساحة للصراعات أو لتصفية الحسابات.
ونشدد على أن حماية سيادة العراق وتعزيز مؤسساته الوطنية تمثلان أولوية لا يمكن التهاون بها.
وفي هذا السياق، نؤكد أن مسار الحوار والدبلوماسية يبقى السبيل الوحيد لتجنب المزيد من التصعيد والدمار، إذ لا يمكن تحقيق الأمن بوسائل تغذّي العنف، كما لا يمكن بناء الاستقرار عبر سياسات تقوم على المواجهة المستمرة.
وانطلاقاً من ذلك، نؤكد أن تحقيق السلام لا يكون بأدوات الدمار، بل من خلال رؤية شاملة قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل والتعاون الإقليمي.
وفي وقت يشهد فيه العراق تقدماً متسارعاً في مشاريع الإعمار والتنمية، نؤكد أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم البنى التحتية، بل بمدى انعكاسها المباشر على تحسين حياة المواطنين وظروفهم المعيشية.
ولا تزال شرائح واسعة من المجتمع تواجه تحديات اقتصادية صعبة، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يدفع البعض إلى الهجرة بحثاً عن الاستقرار والكرامة، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف بشري يؤثر على مستقبل البلاد واستقرارها الاجتماعي.
كما نلفت إلى اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وتزايد الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة، ما يستدعي تبنّي سياسات أكثر توازناً وعدالة لمعالجة هذه التحديات.
وفي هذا الإطار، نؤكد أن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص يجب أن يكونا في صلب أي مشروع وطني، وأن دعم الفئات الضعيفة، وخلق فرص عمل حقيقية، وتحقيق تنمية متوازنة، تمثل خطوات أساسية نحو بناء دولة قوية ومستقرة.
وفي الوقت ذاته، تبقى حماية التنوع الديني والثقافي في العراق مسؤولية وطنية كبرى، لا سيما في ظل التراجع الملحوظ في بعض المكونات التاريخية، وعلى رأسها المكوّن المسيحي، الذي يشكل جزءاً أصيلاً من هوية العراق وتاريخه.
كما أن مواجهة التطرف تتطلب نهجاً قائماً على تعزيز الاعتدال وترسيخ قيم المواطنة، بما يضمن بقاء الدولة إطاراً جامعاً لكل أبنائها دون تمييز.
وعلى الصعيد السياسي، نتطلع إلى المرحلة المقبلة كفرصة لتعزيز المسار الديمقراطي وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في الانتخابات، إذ إن ضمان انتخابات تتمتع بأعلى معايير المصداقية والثقة يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز الاستقرار وتقوية العلاقة بين الدولة والمواطن.
كما أن تحسين الأداء الحكومي في المرحلة المقبلة، وتعزيز مبدأ الكفاءة في التعيينات داخل مؤسسات الدولة، يعدّان من الركائز الأساسية لبناء إدارة حديثة وفعالة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين.
إن بناء الثقة يتطلب الاستمرار في تطوير الأداء المؤسسي، وترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص، بما يضمن مستقبلاً سياسياً أكثر استقراراً وتوازناً.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة القادمة تمثل فرصة حقيقية لدفع مسار الإصلاح، ودعم نهج ديمقراطي أكثر نضجاً، يواكب تطلعات الشعب العراقي ويعكس طموحه نحو دولة قوية وعادلة.
وندعو المجتمع الدولي، ولا سيما الأطراف المؤثرة، إلى دعم جهود التهدئة، واحترام سيادة الدول، وتعزيز الشراكات التي تسهم في تحقيق الاستقرار والازدهار.
إن الشرق الأوسط، وفي قلبه العراق، يستحق مستقبلاً قائماً على الحوار والانفتاح والتكامل، لا على الصراع والانقسام.