
صدر عن هيئة قضاء كسروان الفتوح في التيار الوطنيّ الحرّ البيان التالي:
يبدو أنّ بعض القوى السياسيّة - كالقوات اللبنانية - لم تعد تكتفي بمصادرة الخطاب، بل انتقلت إلى محاولة مصادرة الإنجازات أيضًا.
ففي مشهدٍ يستحقّ أن يُدرَّس في فنون التناقض، تحوّل المشروع البيئيّ في شبروح، الذي قيل بالأمس إنّه يستوجب وقف الأعمال والنشاطات حفاظًا على المياه، إلى منصّة احتفالٍ رسميّ، وإلى “إنجاز” يُراد تسويقه للرأي العام وكأنّه وُلد للتّو.
فأيُّ إنجازٍ هذا؟ هل الإنجاز هو أن تمنع المشروع أولًا، ثم تعود لتدشّنَه لاحقًا؟ وأيُّ مفارقةٍ هذه؟ وأيُّ استخفافٍ بذاكرة الناس يجعل من المشروع نفسه خطرًا حين يكون ثمرة جهود الآخرين، وإنجازًا يستحق الاحتفال حين يصبح مادّةً للاستثمار السياسيّ؟! وكيف يعمَدُ رئيس البلديّة - الذي يُفتَرَض أن يكون مسؤولاً ومؤتمَناً على الحقيقة - إلى تهميش صانع الإنجاز الفعليّ؟! إنّ رئيس البلديّة يتحمّل كامل المسؤولية السياسية والأدبية عن هذا المشهد. فهو لم يكن مضطرًا إلى رعاية تدشينٍ يقوم على تغييب تاريخ المشروع، ولم يكن ملزمًا بتوفير غطاءٍ بلديّ لروايةٍ تتجاهل أصحاب الإنجاز الحقيقيّين. كان الأجدر به أن ينحاز إلى الحقيقة، لكنه اختار أن ينحاز إلى مشهدٍ سياسيّ معيّن. وهذا الخيار لا يسيء إلى خصومه السياسيين، بل يسيء أولًا إلى صدقيّة الموقع البلديّ الذي يفترض أن يكون فوق الاصطفافات، لا أداةً في خدمتها.
اللبنانيّون عموماً وأبناء كسروان الفتوح خصوصاً لم ينسَوا الحقيقة. ذلك أنّ مشروع تطوير محيط سدّ شبروح، وإنشاء المسار البيئيّ المستدام، لم يولد مع هذا العهد، ولم يُكتب في بيانٍ صحافيّ، ولم يُبتكَر في لحظةٍ استعراضيّة. إنّه مشروعٌ وُضع ضمن رؤية تطويريّة متكاملة للتيار الوطنيّ الحرَ وكانت لوزيرة الطاقة السابقة والنائب ندى البستاني جهوداً حثيثة في هذا المشروع. كما أطلقت مسارًا واضحًا للاستثمار البيئيّ المستدام في محيط السدّ، بالتعاون مع البلديات والجهات المختصّة وجمعيّة لَ كسروان بطلب رقم ٢٠٦٦/و بتاريخ ٢٤/٦/٢٠٢٤.
لكن يبدو أنّ الوعود بالانجازات القواتيّة باتت دونكيشوتيّة، فصار "الحزب الحكيم" لا يرى في الدولة إلا فرصةً لإعادة وضع توقيعه على ما أنجزه الآخرون.
إنّها سياسةٌ مألوفةٌ: تعطيلٌ حين يكون الإنجاز للتيار، وتدشينٌ حين يحين موعد الصورة. والأخطر من ذلك، أنّ من رفع لواء المنع بالأمس، يرفع اليوم لواء الاحتفال بالمشروع نفسه، من دون أن يكلّف نفسه عناء تفسير هذا الانقلاب، وكأنّ اللبنانيين لا يحتفظون بالوثائق، ولا يقرأون، ولا يتذكّرون.
إنّ من لا يملك سجلًا من المبادرات، لن يصنع لنفسه تاريخًا عبر الاستيلاء السياسيّ على مبادرات غيره. فالإنجاز لا يُقاس بعدد التغريدات الشعبويّة، ولا بعدد الشرائط التي تُقصّ، ولا بعدد الصور التي تُنشر. الإنجاز الحقيقيّ يُقاس بمن امتلك الرؤية عندما غابت، واتّخذ القرار عندما تردّد الآخرون، ووضع المشروع على السكة قبل أن يصل هواة الأضواء لالتقاط الصورة التذكاريّة.
والتاريخ لا يكتبه من يقصّ الشريط الأخير، بل من وضع الحجر الأول.
أما التفحيط السياسيّ على مشاريع الآخرين، فلن يحوّل الانتحال إلى إنجاز، ولا الاستعراض إلى تاريخ. من يكتب التاريخ لا يحتاج إلى إعادة توقيعه… ومن يعجز عن صناعة الإنجاز، لن تمنحه مراسم التدشين صفة صانعه.

تابع آخر الأخبار أولاً بأول على قناتنا في واتساب
تابعنا