
في خضم الأزمات المتلاحقة، وفي زمنٍ بات فيه الألم مشتركًا والوجع عامًا، يعلو صوت الناس لا طلبًا للشفقة، بل بحثًا عن عدالةٍ غائبة. فهل سأل أحدٌ من الأحزاب يومًا عن جمهورهم؟ عن الناس الذين حملوهم إلى مواقع القرار؟ عن أولئك الذين تعطلت أعمالهم، وأُقفلت أبواب رزقهم، ووجدوا أنفسهم فجأة على هامش الاهتمام؟
ليس الخلاف على مساعدة النازحين، فذلك واجب إنساني وأخلاقي لا نقاش فيه. لكن، كيف يُعقل أن يُترك المواطن الذي يستضيف، الذي يفتح بيته وقلبه، يواجه مصيره وحيدًا؟ كيف يُطلب منه أن يتحمّل فوق طاقته، فيما لا يجد من يسأل عنه أو يمد له يد العون من احزابهم؟.
لقد تحوّل المشهد إلى معادلة قاسية: نازحٌ يُستغل تحت عنوان المساعدة، ومواطنٌ يُستنزف تحت شعار التضامن. وبين الاثنين، تقف أحزابٌ غارقة في حساباتها، منشغلة بمصالحها، تدير الأزمات كأنها فرص، لا كأنها مسؤوليات.
أين الخطط؟ أين العدالة في التوزيع؟ أين الرؤية التي توازن بين حق النازح في العيش الكريم وحق المواطن في الاستقرار؟ أم أن المطلوب هو إبقاء الجميع في حالة عوز، ليبقى القرار بيد من يُتقن استثمار الأزمات؟
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تقصير، بل انهيار في مفهوم المسؤولية. أحزابٌ فقدت صلتها بالناس، واستبدلت العمل العام بإدارة شبكات المصالح، حتى باتت أقرب إلى هياكل فارغة، لا روح فيها ولا مشروع.
وإن استمر هذا النهج، فإن ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها. فالناس التي صبرت طويلًا، لن تنسى. والشارع الذي سُكِت صوته قسرًا، سيعود يومًا ليسأل: من كان معنا؟ ومن كان علينا؟
في النهاية، لا النازح عدو، ولا المواطن خصم. العدو الحقيقي هو الإهمال، والاستغلال، وغياب الضمير. أما الشعوب، فحين تُخذل، لا تسقط… بل تُسقط من خذلها.