
لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرد مرحلة تصعيد عابرة، بل يبدو أنه يقف أمام إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى والتحالفات. فالحروب المتلاحقة، والتمدد العسكري الإسرائيلي، والتوتر المتصاعد مع إيران، وما يجري في لبنان وسوريا وغزة، بالتوازي مع تراجع الثقة العربية بقدرة المظلة الأميركية على توفير الأمن وحدها، كلها عوامل تدفع دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات جديدة.
وفي قلب هذا المشهد برز ما يمكن وصفه بـالتحالف الثلاثي التركي–السعودي–الباكستاني، بعدما وقّعت الدول الثلاث في مكة المكرمة اتفاق دفاع مشترك ينص على اعتبار أي اعتداء مسلح على دولة منها اعتداءً على الدولتين الأخريين. كما يتضمن الاتفاق آليات للتنسيق السياسي والعسكري، ومناورات مشتركة، وتعاوناً في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية. والأهم أن أنقرة أعلنت أن الاتفاق قابل للتوسع، وطرحت مصر باعتبارها إحدى الدول المحتملة للانضمام.
وهنا تحديداً يصبح السؤال أكبر من الاتفاق نفسه: هل نحن أمام تحالف ثلاثي فقط، أم أمام النواة الأولى لمنظومة أمنية إقليمية جديدة؟
تحالف لم يعد قابلاً للقراءة بمعزل عن إسرائيل
صحيح أن الاتفاق التركي–السعودي–الباكستاني قُدّم باعتباره اتفاقاً دفاعياً، وليس تحالفاً موجهاً رسمياً ضد إسرائيل، لكن توقيته وسياقه الإقليمي يمنحانه أبعاداً تتجاوز النصوص الرسمية.
فالمنطقة تعيش منذ سنوات على وقع الحروب، فيما توسعت العمليات الإسرائيلية من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، الأمر الذي جعل عدداً من الدول تعيد تقييم أمنها القومي وعلاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة.
وباكستان تمتلك قوة عسكرية كبيرة وقدرات استراتيجية، والسعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً وموقعاً مركزياً في العالم العربي والإسلامي، بينما تمتلك تركيا جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متطورة ونفوذاً متزايداً في ملفات المنطقة.
اجتماع هذه القدرات الثلاث في إطار دفاعي واحد ليس تفصيلاً عابراً.
إنه رسالة بأن دولاً إقليمية بدأت تفكر في امتلاك أدوات الردع الخاصة بها بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الكبرى.
الجنوب اللبناني... ساحة اختبار
وفي الوقت الذي تتشكل فيه هذه الترتيبات، يبقى لبنان في قلب العاصفة.
فالجنوب اللبناني يشهد استمراراً للعمليات الإسرائيلية والتوترات الأمنية، في وقت تتواصل فيه المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، وسط إصرار بيروت على وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وهنا لا تبدو المسألة لبنانية بحتة.
فالجنوب يقع عند نقطة تقاطع مجموعة من الملفات الإقليمية: الأمن الإسرائيلي، النفوذ الإيراني، الدور الأميركي، الموقف العربي، والتحركات التركية المتنامية.
وبالتالي، فإن أي تصعيد كبير في لبنان قد لا يبقى محصوراً داخل الحدود اللبنانية، بل يمكن أن يتحول إلى عامل إضافي يدفع الدول الإقليمية إلى تسريع بناء ترتيبات أمنية جديدة.
تركيا... الحلقة الأكثر حساسية
تحتل تركيا موقعاً استثنائياً في هذه المعادلة.
فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تعمل على بناء هامش استراتيجي مستقل في الشرق الأوسط، وتتحرك في ملفات سوريا والعراق والقوقاز وشرق المتوسط.
كما أن العلاقات التركية–الإسرائيلية شهدت توتراً متزايداً، بينما أصبحت المصالح التركية والإسرائيلية تتقاطع وتتعارض في عدد من الملفات الإقليمية.
ومن هنا فإن دخول تركيا في اتفاق دفاعي مع السعودية وباكستان يحمل دلالة إضافية: أنقرة لا تريد أن تكون مجرد طرف في النظام الأمني الذي تقوده واشنطن، بل لاعباً في صياغة نظام إقليمي جديد.
واللافت أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وصف آليات الاتفاق بأنها تشمل تنسيقاً سياسياً وعسكرياً ومناورات مشتركة وتعاوناً دفاعياً واسعاً.
هل تنضم مصر؟
ربما تكون مصر هي المفتاح الحقيقي لتوسيع هذا التحالف.
فمصر تمتلك أكبر الجيوش العربية تقريباً، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يجعلها لاعباً رئيسياً في أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط والملف الفلسطيني والحدود الليبية والسودانية.
واللافت أن مصر وتركيا والسعودية وباكستان سبق أن تحركت ضمن إطار رباعي للتنسيق السياسي، ما يجعل انتقال التعاون إلى مستويات أوسع أمراً يستحق المتابعة.
لكن انضمام القاهرة إلى تحالف دفاعي كامل لن يكون قراراً سهلاً، نظراً إلى علاقاتها العسكرية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة، فضلاً عن حساباتها الدقيقة مع إسرائيل ودول الخليج وإيران.
لذلك قد تبدأ القاهرة بالتنسيق السياسي والأمني قبل أي التزام عسكري مباشر.
وماذا عن قطر والكويت؟
إذا توسعت الدائرة، فقد تظهر أسماء خليجية أخرى.
قطر والكويت والإمارات وسلطنة عُمان تملك علاقات مختلفة مع تركيا والسعودية وباكستان وإيران والولايات المتحدة، ولكل دولة حساباتها الخاصة.
لكن ما يجمع هذه الدول هو إدراك متزايد بأن أمن الخليج لم يعد قضية خليجية منفصلة عن أمن المشرق والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
ولهذا قد لا نشهد، بالضرورة، انضمام جميع هذه الدول إلى اتفاق دفاعي واحد، لكن يمكن أن نشهد شيئاً أكثر واقعية: شبكة من الاتفاقيات والتنسيق العسكري والاستخباراتي والمناورات المشتركة، تتقاطع في ما بينها وتنتج تدريجياً منظومة أمنية إقليمية.
المفاجأة الأكبر: إيران
هنا تدخل المنطقة في مرحلة أكثر تعقيداً.
فإذا كان التحالف الثلاثي قد نشأ في بيئة توتر مع إيران، فإن التطورات قد تدفع لاحقاً إلى نوع من التفاهم العربي–الإيراني، حتى لو لم يتحول إلى تحالف عسكري.
فالدول لا تحتاج إلى الاتفاق على كل شيء كي تتعاون في ملف محدد.
وقد يكون الهدف المشترك هو منع انفجار إقليمي شامل، حماية الملاحة والطاقة، ورفض احتكار قوة واحدة للأمن الإقليمي.
وبالتالي، فإن سيناريو التعاون العربي–الإيراني ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى تحولات سياسية كبيرة، ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للقول إن تحالفاً من هذا النوع أصبح واقعاً.
هل يتراجع الدور الأميركي؟
من الخطأ الحديث عن خروج أميركي كامل من المنطقة.
لكن يمكن الحديث عن محاولة إقليمية لتنويع مصادر الأمن وتقليل الاعتماد على واشنطن.
فالتحالف التركي–السعودي–الباكستاني نفسه لا يعلن أنه بديل عن التحالفات القائمة، بل يقدم نفسه كإطار دفاعي إضافي.
لكن الرسالة السياسية الأعمق قد تكون:
نريد أن تكون لنا قدرة أكبر على حماية مصالحنا بأنفسنا.
وهذه الفكرة تحديداً قد تكون أهم من أي بند عسكري في الاتفاق.
من "تحالف ثلاثي" إلى "نظام إقليمي"؟
قبل مدة ، كان الحديث عن تحالف تركي–سعودي–باكستاني يبدو أقرب إلى قراءة سياسية بعيدة المدى.
اليوم أصبح هناك اتفاق دفاعي معلن.
لكن المرحلة المقبلة هي التي ستحدد قيمة هذا التحالف: هل سيتحول إلى مؤسسة عسكرية فعلية؟ هل ستنضم إليه دول أخرى؟ هل ستدخل مصر؟ وهل ستنشأ لاحقاً أطر تعاون مع قطر والكويت ودول عربية أخرى؟
الأهم أن تركيا أعلنت بالفعل رغبتها في توسيع الاتفاق، فيما تشير التطورات إلى أن فكرة بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة لم تعد مجرد نقاش نظري.
وهنا يصبح لبنان جزءاً من الصورة الأكبر.
فالجنوب اللبناني، بما يشهده من عمليات عسكرية وتفجيرات وتدمير وتوتر مستمر، ليس مجرد ملف حدودي. إنه إحدى الساحات التي يمكن أن تختبر فيها المنطقة قدرتها على الانتقال من بيانات الاستنكار إلى بناء توازن سياسي وأمني جديد.
الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية
قد لا نشهد غداً جيشاً عربياً موحداً يواجه إسرائيل، وقد لا تتشكل في المدى القريب منظومة عسكرية تضم تركيا والسعودية وباكستان ومصر وقطر والكويت وإيران.
لكن المؤشرات الحالية تسمح بطرح سؤال أكبر:
هل بدأت مرحلة الانتقال من التحالفات الثنائية المتفرقة إلى شبكة أمن إقليمية متعددة الأطراف؟
إن الاتفاق التركي–السعودي–الباكستاني قد يكون مجرد البداية.
وقد تتوسع الدائرة تدريجياً، لا لأن هذه الدول أصبحت متفقة على كل الملفات، بل لأن مصالحها بدأت تلتقي حول فكرة واحدة: الشرق الأوسط لم يعد يريد أن يبقى أمنه مرهوناً بالكامل بإرادة القوى الخارجية.
وفي هذه المعادلة، ستبقى إسرائيل أمام تحدٍ جديد؛ ليس بالضرورة تحالفاً عسكرياً موحداً ضدها، بل بيئة إقليمية أكثر قدرة على التنسيق والردع ورفض فرض الوقائع بالقوة.
أما الولايات المتحدة، فلن تختفي من المشهد، لكنها قد تجد نفسها أمام شرق أوسط أكثر استقلالية في قراراته الأمنية.
وقد يكون لبنان، وخصوصاً جنوبه، أحد أبرز ميادين اختبار هذا التحول.
لقد بدأ التحالف بثلاثة أطراف... والسؤال الآن ليس إن كان سيتوسع، بل إلى أين يمكن أن يصل؟