
صاحب السعادة الأمين العام للأمم المتحدة،
أصحاب السعادة،
الشركاء الكرام،
السيدات والسادة،
أشكركم على حضوركم اليوم في لحظةٍ بالغة الإلحاح بالنسبة إلى لبنان.
خلال الأيام الماضية، قمتُ بزيارة عدد من مراكز الإيواء الجماعي في مختلف أنحاء لبنان، والتقيتُ بعائلات اضطرّت إلى مغادرة منازلها على عجل، ولم تحمل معها سوى ما تيسّر. رأيتُ آباءً يحاولون بثّ الطمأنينة في نفوس أطفالٍ يعتريهم الخوف، وكبارًا في السن يحتاجون إلى استمرارية في الرعاية، وأشخاصًا من ذوي الإعاقة تواجه احتياجاتهم تحديات إضافية كثيرًا ما تُغفل في حالات الطوارئ.
اليوم، يقارب عدد النازحين مليون شخص، فيما يُقدَّر أن هذه الأزمة تطال نحو 1.3 مليون إنسان. ويشكّل الأطفال قرابة نصف المتأثرين، فيما تمثل النساء والفتيات أكثر من نصفهم.
غير أنّ هذه الأزمة لا تُختزل بمن نزحوا وحدهم. فمنذ الساعات الأولى، تحمّلت المجتمعات المضيفة والبلديات والمدارس والعائلات صدمةً هائلة. فتح الناس أبوابهم، وتقاسموا ما لديهم، وأثبتوا مرةً أخرى أنّ روح التضامن في لبنان قادرة على الصمود حتى في أحلك الظروف.
وخلال ساعات قليلة من التصعيد الذي بدأ في الأول من آذار، فعّلت الحكومة اللبنانية استجابتها الطارئة عبر تنسيق مركزي في السراي الكبير بقيادة دولة رئيس مجلس الوزراء، مع نشر فرق العمل التنفيذية في مختلف المحافظات. وتُنفَّذ هذه الاستجابة بالتنسيق الوثيق مع وكالات الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين.
واليوم، تعمل مؤسسات الدولة بأقصى درجات الجهوزية على الأرض، بمشاركة 2,600 من الهيئة التعليمية، و600 أخصائي اجتماعي، و6,800 عنصر من الدفاع المدني، إلى جانب فرق البلديات المنتشرة في 24 قضاءً.
إن استجابتنا ليست فعلًا آنيًا؛ بل تقوم على أنظمة قائمة وبيانات آنية وآليات تتيح تعبئة المساعدات بسرعة وفق احتياجات محددة. وهي أنظمة تساعدنا على توجيه الدعم إلى حيث تكون الحاجة أشدّ، وعلى استخدام الموارد بكفاءة، وبما يرسّخ الثقة ويعزز المساءلة.
وقد جرى توسيع القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء عبر استخدام مرافق عامة، مع الحرص على أن يكون الوصول إليها متاحًا للجميع. وفي الوقت ذاته، نعمل مع شركائنا على تحسين شروط الإيواء وتعزيز إمكانية الوصول، ولا سيّما للأشخاص ذوي الإعاقة وللفئات الأكثر عرضة.
كما تتواصل الجهود لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي المستجيبة للصدمات، من خلال مساعدات نقدية تمكّن العائلات من تلبية احتياجاتها العاجلة، وتخفف من حدّة الصدمة، وتدعم الأسواق المحلية في آنٍ واحد.
وتبقى الشفافية ركيزة لا غنى عنها في عملنا. لذلك نستثمر في التسجيل المركزي، وتطوير أنظمة البيانات، وتعزيز تتبّع إيصال المساعدات، لضمان أن يترجم كل دعم يُقدَّم إلى أثرٍ ملموس يصل إلى من هم بأمسّ الحاجة إليه.
السيدات والسادة،
يأتي هذا التصعيد في لحظةٍ شديدة الهشاشة بالنسبة إلى لبنان. فبلدنا لم يبدأ إلا بالكاد باستعادة قدرٍ محدود من الزخم بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة. وهذه الحالة الطارئة تهدد بتقويض ما تحقق بشق الأنفس، وتعميق مستويات الفقر، وزيادة الضغط على الخدمات العامة وعلى المجتمعات التي تتحمل أصلًا أعباءً كبيرة.
ومن هنا تبرز أهمية هذا النداء الإنساني العاجل. فهو ليس مجرد طلب تمويل، بل إطارٌ متكامل لاستجابة منسقة تحمي الناس اليوم، وتعزز في الوقت نفسه الأنظمة الوطنية التي سنحتاج إليها خلال الأزمة وبعدها.
إننا نتحرك اليوم واضعين المستقبل نصب أعيننا. فعندما تنتهي هذه الأزمة، ينبغي للبنانيين في كل أنحاء البلاد أن ينظروا إلى الوراء بثقة، وأن يقولوا إن دولتهم وقفت إلى جانبهم، وبذلت كل ما في وسعها للاستجابة لاحتياجاتهم، وصانت حقوقهم في أصعب الأوقات.
فهكذا تُبنى الثقة وتُستعاد: بأفعالٍ تثبت أن الدولة تبقى شريكًا مسؤولًا وموثوقًا لشعبها.
إن دعمكم لهذا النداء اليوم لا يقتصر على تلبية الاحتياجات العاجلة، بل يسهم أيضًا في صون الاستقرار، وحماية الحقوق، وإبقاء الأمل حيًا لدى الملايين في لبنان، وتأكيد أن الدولة تبقى المرجعية الأولى للحماية والأمان.
شكرًا لكم