
اختتم المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك زيارته إلى لبنان بعقد مؤتمر صحافي في "بيت الأمم المتحدة" (الإسكوا)، عرض خلاله مشاهداته وانطباعاته عن الأوضاع الإنسانية والحقوقية في البلاد، محذرًا من تداعيات استمرار الأعمال العسكرية على المدنيين، ومؤكدًا أن مكتبه يوثق الانتهاكات تمهيدًا للمساءلة.
واستهل تورك كلمته بالقول: "عندما زرت لبنان في المرة الاخيرة قبل عام ونصف عام، رأيت بلدا يحاول الخروج من أزمات وأحداث عميقة ومتداخلة. شملت انسدادًا سياسيًا طويلًا، وأزمة مالية، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، ونزاعًا مسلحًا، وكل ذلك وسط سياق جيوسياسي أوسع يتسم بالتقلب. ومع ذلك، حين جئت حينها، كان هناك عزم واضح جداً من قبل القيادة الجديدة للمضي قدما، وأشارت القيادة إلى أجندة إصلاحية تحظى بدعم واسع محليا ودوليا. وأعتقد أنه كانت هناك رؤية ناشئة لـ"لبنان جديد" وبصيص أمل وسط وضع عالمي صعب للغاية".
وأضاف: "خلال العام الماضي، انعكس ذلك التصميم في خطوات مهمة نحو معالجة قضايا حاسمة، بما في ذلك سيادة القانون، وقضايا المساءلة، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وإصلاحات مؤسسية أخرى. لكن التجاذبات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أوقعت البلاد في فخ في وقت سابق من هذا العام، مما أدى إلى تصعيد متجدد للنزاع بين حزب الله وإسرائيل. ولم يؤثر هذا على زخم الإصلاح فحسب، بل كان وقعه كارثيا على الشعب اللبناني".
وأكد تورك: "لقد صُدمت بحجم الدمار الواسع والمعاناة المتفاقمة التي رأيتها. إن الصدمة والإحباط واليأس أمور ملموسة، ولكن كذلك هي المطالبة بالعدالة التي سمعتها بوضوح." وأضاف أن أحد الضحايا الذي فقد والدته وشقيقه في غارة إسرائيلية على منزل عائلته في بيروت قال له: "حتى من هذا الظلام، هناك فرصة، نحن نحشد جهودنا بطريقة لم نفعلها من قبل من خلال توثيق الانتهاكات"، مشددًا على تضامنه مع جميع الضحايا، ومؤكدًا أن فريقه يواصل توثيق الكلفة البشرية للأعمال العدائية.
وتابع: "لقد تسببت الغارات الجوية الإسرائيلية المستمرة، والقصف، واستخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المكتظة بالسكان، في وقوع خسائر فادحة بين المدنيين، وخلفت دمارا واسعا ونزوحا جماعيا. كما أدى إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله باتجاه مناطق مأهولة في إسرائيل إلى وقوع إصابات بين المدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية."
وأشار إلى أن "مكتبي سجل انتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني، قد يرقى بعضها إلى جرائم حرب، وفي ظروف معينة قد تشكل أيضا جرائم بموجب القانون الدولي." كما لفت إلى أن قرى بأكملها جنوب نهر الليطاني تعرضت للتدمير أو أصبحت غير صالحة للسكن نتيجة الضربات الإسرائيلية وعمليات الهدم.
وأعرب عن قلقه من مستقبل حماية المدنيين في الجنوب مع اقتراب انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل"، قائلاً: "لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل أراضي لبنانية واسعة في الجنوب، وأنا قلق من أن السلوك العام الذي أدى إلى نزوح واسع النطاق وحرمان من العودة قد يرقى إلى مستوى الجرائم الدولية."
وكشف أن بعثة تقييم مستقلة ومحايدة، أُعلن عنها في حزيران الماضي بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، بدأت عملها ميدانيًا لجمع المعلومات والأدلة حول الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني منذ الثاني من آذار.
وفي الشأن الحقوقي الداخلي، شدد تورك على أهمية تعزيز حماية الفئات المهمشة، وقال: "آمل إحراز مزيد من التقدم في إلغاء تجريم العلاقات المثلية"، كما دعا إلى تحسين أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز، ورحب بمسودة قانون إلغاء عقوبة الإعدام، معربًا عن أمله في أن يعتمدها مجلس النواب سريعًا.
وبشأن انفجار مرفأ بيروت، أكد: "بعد أيام قليلة، ستحيي عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذكرى السادسة لهذا الحدث المأساوي. يجب تحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة المسؤولين."
ورأى أن إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على الجانب اللوجستي، بل أن تشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، قائلاً: "سيتعين إعادة بناء العقد الاجتماعي بحيث تُحترم كرامة وحقوق جميع المجتمعات في لبنان، وتكون الدولة قادرة على حماية حقوقهم وتوفير الخدمات والأمن والأمان الذي يحتاجونه."
وردًا على سؤال حول الإجراءات العملية لردع الانتهاكات، أوضح تورك: "إن حماية المدنيين هي الأولوية القصوى والمسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق أطراف النزاع، وفي هذه الحالة إسرائيل وحزب الله، إذ عليهم احترام القانون الدولي الإنساني." وأضاف أن دور الأمم المتحدة يقتصر على "المراقبة والتوثيق وإعداد التقارير"، وأن هذه الجهود تمثل أساسًا لأي مسار مستقبلي للمساءلة.
وختم بالتأكيد على أن مكتبه يواصل مراقبة التطورات في لبنان وفق منهجية تحقق دقيقة، معربًا عن أمله في أن تفضي المفاوضات المرتقبة إلى خفض التصعيد واحترام القانون الدولي، ومؤكدًا استمرار دعم الأمم المتحدة للبنان في تعزيز وحماية حقوق الإنسان.
تابع آخر الأخبار أولاً بأول على قناتنا في واتساب
تابعنا