
تتنامى في الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ومنشورات تتضمّن خطابات تحريضية، تُروّج للطائفية وتدعو إلى تكفير الأديان والطوائف الأخرى، في مشهدٍ يُهدّد ما تبقّى من تماسكٍ وطنيّ في بلدٍ قام على التنوّع والتعايش.
هذا الخطاب، الذي يتّخذ من المنابر الافتراضية ساحةً لتصفية الحسابات العقائدية، يثير مخاوف جدّية من تفكّك النسيج الاجتماعي، وعودة الاصطفافات الطائفية التي دفع لبنان ثمنها غاليًا في مراحل سابقة من تاريخه.
لبنان بلد التعايش… ولكن!
يُجمع المراقبون على أن لبنان ينهار أخلاقيًا واجتماعيًا حين يتحوّل التنوع من مصدر غنى إلى سلاح فتنة. فالبلد الذي لطالما تغنّى بتعدديته الدينية، يشهد اليوم تسلّلًا منظمًا لخطابات الكراهية عبر المنصّات، في ظلّ غياب شبه تامّ للمساءلة القانونية.
ويرى خبراء في الشأن الدستوري أنّ هذه الخطابات لا تُعبّر عن حريّة الرأي بقدر ما تمثّل تحريضًا مباشرًا على التفرقة، وهو ما يتعارض كليًا مع روح الدستور اللبناني ونصوصه الصريحة.
ماذا يقول الدستور اللبناني عن الطائفية؟
الدستور اللبناني، الذي وُضع لضمان العيش المشترك، خصّص عدة مواد واضحة تُلزم الدولة بمحاربة الطائفية وحماية حرية المعتقد والمساواة بين المواطنين.
المادة 7 تنصّ على أن “جميع اللبنانيين سواء أمام القانون، لهم الحقوق المدنية والسياسية كافة، ويتحمّلون الواجبات دون تمييز بينهم.”
المادة 9 تضمن حرّية المعتقد، وتحظر أي مساس بحرمة الأديان أو الطوائف.
المادة 95 تُلزم مجلس النواب والحكومة بالعمل على إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل لجنة وطنية تُعنى بوضع الأسس التنفيذية لذلك.
أما مقدّمة الدستور، فتؤكد أنّ “إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي”.
هذه النصوص ليست مجرّد شعارات، بل التزامات دستورية توجب على الدولة صون الوحدة الوطنية، وملاحقة كل من يهدّدها بخطاب التحريض أو التكفير.
رغم وضوح الدستور، يبقى الواقع اللبناني بعيدًا عن تطبيق مبادئه.
فالطائفية ما زالت تتحكّم بالمناصب، وبالخطاب السياسي، وحتى ببعض المنابر الدينية ، مما يخلق حالة من الانقسام الخطير داخل المجتمع.
وتشير مصادر قانونية إلى أن خطاب الكراهية لا يُعاقب عليه بجدّية، وأن الأجهزة المعنية غالبًا ما تتجاهل الملاحقات بحجة حرية التعبير، في حين أن الدستور نفسه يُقيّد الحرية عندما تتحوّل إلى أداة فتنة.
أين الدولة من كل ذلك؟
وسط هذا المشهد المقلق، يتساءل اللبنانيون:
لماذا لا تتحرّك الدولة لضبط الفوضى الرقمية والفكرية التي تهدّد كيانها؟
ولماذا لا تُفعَّل المواد الدستورية التي تُجرّم التمييز والتحريض؟
إنّ التهاون في مواجهة هذه الممارسات قد يقود البلاد إلى صدام داخلي، فالفكر المتطرّف لا يُواجه بالصمت، بل بالقانون والوعي والمحاسبة.
بالنهاية ،إنّ لبنان، بلد الرسالة والتنوّع، لا يُحافظ على كيانه إلا بتطبيق الدستور قولًا وفعلاً.
وإذا كانت النصوص واضحة في الدعوة إلى إلغاء الطائفية وترسيخ المساواة، فإنّ المطلوب اليوم إجراءات صارمة من الدولة بحقّ كل من يحرّض على الكراهية أو يعبث بوحدة الوطن.
فإلى متى تبقى القوانين معلّقة، والدستور حبرًا على ورق؟
ولماذا لا تُطبّق الدولة الدستور وتُحاسب من يزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد؟