
في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم متسارعة لخريطة التحالفات الأمنية والعسكرية، برز الاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان باعتباره خطوة لافتة في مسار تعزيز التعاون العسكري بين قوى إقليمية مؤثرة. إلا أن غياب مصر عن هذا الترتيب فتح الباب أمام تساؤلات حول موقف القاهرة وحساباتها تجاه التحولات الجديدة.
فمصر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري وموقع جغرافي بالغ الأهمية، تُعد من أبرز القوى المؤثرة في معادلات الأمن الإقليمي. لذلك، فإن عدم حضورها في الاتفاق دفع مراقبين إلى البحث عن الأسباب التي تقف خلف هذا الخيار، وما إذا كان الأمر مرتبطاً باختلاف في الأولويات أو بحسابات سياسية واستراتيجية أوسع.
ويرى الخبير السعودي عبد الله آل شايع أن انضمام القاهرة إلى الاتفاق كان سيمنحه وزناً أكبر، نظراً إلى الإمكانات العسكرية والسياسية المصرية، إضافة إلى موقع البلاد ودورها التاريخي في قضايا المنطقة.
لكن قراءة أخرى يقدمها الخبير السعودي وجدي القليطي، الذي يرجح أن يكون غياب مصر مرتبطاً بعوامل فنية وأمنية واختلاف في الأولويات الاستراتيجية. فالقاهرة تواجه مجموعة من الملفات المرتبطة بأمنها القومي، وفي مقدمتها التطورات في القارة الأفريقية، ما قد يجعلها أكثر حذراً في الانخراط في ترتيبات عسكرية جديدة ذات التزامات متعددة.
أما مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق رخا أحمد حسن، فيربط بين توقيت الاتفاق وطبيعته وبين احتمال وجود اعتبارات أمنية وسياسية محددة تقف خلفه، مشيراً في الوقت نفسه إلى اختلاف المقاربة المصرية، التي تركز بصورة أكبر على الوساطة السياسية، والتهدئة، ووقف إطلاق النار، بدلاً من الانخراط المباشر في محاور عسكرية جديدة.
ولا يأتي هذا التطور بمعزل عن نقاش أوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي. فالمنطقة تشهد في السنوات الأخيرة تنامياً في أشكال التعاون العسكري والأمني، بالتوازي مع تراجع الثقة بالترتيبات التقليدية وارتفاع مستوى التوتر في عدد من الملفات.
وفي هذا السياق، تعود إلى الواجهة تجربة القوة العربية المشتركة التي طرحتها مصر سابقاً، لكنها لم تتحول إلى واقع عملي بسبب عدم التوصل إلى توافق عربي شامل حول طبيعة هذه القوة، وآلية عملها، والدول المشاركة فيها، وحدود صلاحياتها.
وبينما تتجه السعودية وتركيا وباكستان نحو صيغة دفاعية أكثر وضوحاً، تبدو القاهرة حريصة على الحفاظ على هامش واسع من الحركة السياسية والاستراتيجية، بما يتيح لها التعامل مع ملفات المنطقة من موقع الوسيط والشريك، من دون الارتباط بالضرورة بتحالف عسكري جديد.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يمثل غياب مصر عن الاتفاق موقفاً مؤقتاً تفرضه حسابات المرحلة، أم أنه يعكس رؤية مصرية مختلفة تجاه شكل التحالفات الأمنية التي تتبلور في المنطقة؟
الإجابة قد تتضح مع تطور الاتفاق وتحوله من إطار للتنسيق إلى ترتيبات عسكرية أكثر تحديداً، وعندها ستتضح أيضاً حدود الدور الذي اختارت القاهرة أن تلعبه في المشهد الأمني الإقليمي الجديد.