
تبدو البلاد اليوم وكأنها تقف عند مفترق حاد بين مرحلة سياسية استُهلكت بكل ما فيها من وعود وشعارات، وبين لحظة يعلو فيها صوت الناس الباحثين عن تغيير حقيقي لا يقتصر على تبديل وجوه، بل على إعادة بناء الفكرة نفسها: فكرة الدولة، والعدالة، والتمثيل الحقيقي للناس.
لم يعد خافياً على أحد أن الطبقة السياسية التي حكمت لسنوات طويلة، تحوّلت في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين إلى جزء من الأزمة لا من حلّها. وعود تتكرر، وأزمات تتراكم، وثقة تتآكل، فيما يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة أثقلتها الحسابات الضيقة والمصالح المتشابكة. وفي كل محطة استحقاق، يعود السؤال نفسه: هل يمكن إنتاج مسار جديد بأدوات قديمة؟
المسألة اليوم ليست في الشعارات المرتفعة، بل في جوهر الأداء السياسي الذي لم يعد قادراً على مواكبة حجم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. من هنا، يبرز مطلب التغيير كحاجة وطنية لا كترف سياسي، تغيير يُعيد الاعتبار إلى مفهوم الخدمة العامة بدل منطق المحاصصة، وإلى الدولة بدل شبكة المصالح.
وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات إلى فتح المجال أمام جيل جديد من الشباب، خصوصاً من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، أولئك الذين يعيشون تفاصيل المعاناة اليومية، ويعرفون معنى الغلاء والبطالة والهجرة والقلق على المستقبل. فهؤلاء، وفق الرؤية الشعبية المتنامية، هم الأقدر على فهم الناس لأنهم ببساطة جزء منهم، لا يقفون فوقهم ولا بعيداً عن واقعهم.
إن دخول هذا الجيل إلى الحياة السياسية لا يعني فقط تبديل الأشخاص، بل إدخال ثقافة مختلفة في العمل العام: ثقافة الشفافية، المحاسبة، القرب من الناس، والابتعاد عن منطق الامتيازات التي أرهقت الدولة وأضعفت مؤسساتها.
لكن التغيير الحقيقي لا يُفرض بالشعارات، بل يُبنى بالتنظيم، بالوعي، وبقدرة هذا الجيل على تحويل الغضب إلى مشروع، والاعتراض إلى رؤية، والطموح إلى برنامج قابل للتطبيق. فالدولة لا تُبنى بردود الفعل، بل بخيارات مدروسة ومسار طويل من العمل الجاد.
بين الواقع الحالي وتطلعات الناس، مسافة كبيرة لا تُردم إلا بإعادة الاعتبار لفكرة أن السلطة ليست امتيازاً، بل مسؤولية. وعندما تستعيد السياسة هذا المعنى، يصبح التغيير ممكناً، لا مجرد حلم مؤجل.
وفي الخاتمة، يبقى السؤال الأكثر جرأة وإلحاحاً في لحظة الانهيار الراهن: هل يمكن أن ينهض رجل الدولة ويمتلك قراراً سيادياً حاسماً، فيعلن بوضوح أن زمن الاصطفافات الحزبية بصيغتها الحالية قد انتهى، وأنه لا شرعية تفوق شرعية الدولة ولا مرجعية تعلو على مؤسساتها؟
هل يمكن أن يأتي من يضع حداً فاصلاً بين منطق الدولة ومنطق الدويلات السياسية، فيتخذ قراراً جريئاً بإعادة تنظيم الحياة السياسية على أسس وطنية جامعة، تُلغي الامتيازات غير المتكافئة وتُعيد تعريف العمل الحزبي ضمن إطار يخدم الدولة لا يوازيها أو ينافسها؟
إنها ليست مجرد دعوة إلى قرار إداري أو إجراء شكلي، بل إلى لحظة تأسيسية تعيد الاعتبار لفكرة الدولة كمرجعية وحيدة، تنطلق منها كل الشرعيات وتعود إليها كل الانتماءات. ومن هناك فقط، يمكن الحديث عن بداية جديدة تُبنى على قواعد واضحة: دولة أولاً، وما عداها يأتي في إطارها لا خارجها.