
في زمنٍ تتشابك فيه الملفات الإقليمية والدولية، وتُرسم خرائط النفوذ على وقع الأزمات، يعود لبنان ليجد نفسه مجدداً أمام عاصفة من التحليلات والسيناريوهات التي تثير القلق حول مستقبله ودوره في المنطقة.
وفي الأيام الأخيرة، برزت أحاديث متداولة عن مخططات تتعلق بدخول القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع إلى لبنان أو حصول تدخلات خارجية تحت عناوين مختلفة، وسط أجواء أمنية وسياسية حساسة. إلا أن هذه الطروحات قوبلت بتأكيدات رسمية من القيادتين اللبنانية والسورية، حيث شدد الرئيسان اللبناني والسوري على أن العلاقة بين البلدين يجب أن تقوم على أسس واضحة من التعاون والاحترام المتبادل، وأن المرحلة المقبلة يفترض أن تكون مرحلة تعاون اقتصادي وإنمائي لما فيه مصلحة الشعبين.
لكن في خضم هذه التأكيدات، يبقى السؤال مشروعاً: لماذا تُضخ مثل هذه السيناريوهات في هذا التوقيت؟ ومن المستفيد من إعادة إشعال المخاوف وفتح أبواب الشك بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس فقط الحروب المباشرة، بل حروب الفتنة والشائعات التي تمهّد الطريق أمام الفوضى والانقسام. فالتجارب السابقة أثبتت أن بعض القوى الكبرى قد تجد في أزمات المنطقة فرصة لإعادة ترتيب النفوذ وتحقيق مصالحها، فيما تدفع الشعوب وحدها ثمن الصراعات المفتوحة.
لبنان اليوم ليس في موقع يسمح له بتحمل مغامرات جديدة. بلدٌ خرج من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، وعانى من الانقسامات والدمار، لا يمكن أن يكون ساحة لتجارب سياسية أو أمنية جديدة، ولا ورقة تُستخدم في صراعات الآخرين.
وعلى الدول العربية أن تدرك خطورة المرحلة وأن تتحرك قبل فوات الأوان، لأن أي انفجار كبير في لبنان لن يبقى محصوراً داخل حدوده، بل ستكون تداعياته عابرة للحدود، وقد تشعل المنطقة بأكملها. فالشرق الأوسط يعيش فوق أرض مليئة بالتوترات، وأي شرارة قد تتحول إلى حريق يصعب إخماده.
إن لبنان ليس لقمة سائغة، وليس بلداً يُقرر مصيره الآخرون بالحرب أو السلام. مستقبل الأوطان لا يجب أن يُرسم في غرف مغلقة بعيداً عن إرادة الشعوب، ولا يجوز أن تتحول الدول الصغيرة إلى ساحات تدفع ثمن صراعات القوى الكبرى.
كفى استخداماً للبنان ساحةً للرسائل المتبادلة.
كفى تحويل الشعوب إلى وقود في معارك النفوذ.
وكفى السماح للفتنة بأن تتسلل بين أبناء الوطن الواحد.
الحكمة اليوم ليست خياراً، بل ضرورة. والمسؤولية التاريخية تقع على عاتق كل القيادات اللبنانية والعربية لمنع أي مشروع يهدف إلى ضرب الاستقرار أو جر المنطقة إلى مواجهة جديدة.
فلبنان يحتاج إلى بناء، لا إلى حروب. يحتاج إلى تعاون، لا إلى انقسامات. يحتاج إلى دولة قوية تحميه، لا إلى صراعات تجعل منه ضحية جديدة في لعبة الأمم.
احذروا نار الفتنة… لأن من يشعلها قد لا يملك القدرة على إطفائها.
تابع آخر الأخبار أولاً بأول على قناتنا في واتساب
تابعنا